فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 309

نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ الأَْمِيرِ لأَِهْل بَلْدَةٍ جُعِل بِإِزَائِهِمْ، أَيْ: وَلِيَ قِتَالَهُمْ؛ لأَِنَّ لَهُ الْوِلاَيَةَ عَلَيْهِمْ فَقَطْ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَهُوَ كَآحَادِ الرَّعِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ عَلَى قِتَال أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ [1] .

قلت: لا بد من توفر الشروط الشرعية به حتى يصح أمانه.

ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الرَّعِيَّةِ بِشُرُوطِهِ، لِوَاحِدٍ وَعَشَرَةٍ، وَقَافِلَةٍ وَحِصْنٍ صَغِيرَيْنِ عُرْفًا كَمِائَةٍ فَأَقَل: لأَِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لأَِهْل الْحِصْنِ، وَلاَ يَصِحُّ أَمَانُ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ لأَِهْل بَلْدَةٍ كَبِيرَةٍ، وَلاَ رُسْتَاقٍ، وَلاَ جَمْعٍ كَبِيرٍ؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيل الْجِهَادِ، وَالاِفْتِيَاتِ عَلَى الإِْمَامِ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أَمَّنَ غَيْرُ الإِْمَامِ إِقْلِيمًا أَيْ عَدَدًا غَيْرَ مَحْصُورٍ، أَوْ أَمَّنَ عَدَدًا مَحْصُورًا بَعْدَ فَتْحِ الْبَلَدِ، نَظَرَ الإِْمَامُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَبْقَاهُ وَإِلاَّ رَدَّهُ.

وَقَال النَّوَوِيُّ: وَضَابِطُهُ: أَنَّ لاَ يَنْسَدَّ بَابُ الْجِهَادِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَإِذَا تَأَتَّى الْجِهَادُ بِغَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَنْ أُمِّنَ، نَفَذَ الأَْمَانُ؛ لأَِنَّ الْجِهَادَ شِعَارُ الدِّينِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَكَاسِبِ الْمُسْلِمِينَ.

وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ أَمَانُ وَاحِدٍ لأَِهْل قَرْيَةٍ وَإِنْ قَل عَدَدُ مَنْ فِيهَا [2] .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الأَْمَانُ مِنَ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ أَمَّنَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً، أَوْ أَهْل مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ، وَعِبَارَةُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَوْ أَهْل حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ [3] .

عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ» ،فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» ،فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلاَنَ ابْنَ

(1) - كشاف القناع 3/ 105،والمغني 8/ 398.

(2) - الشرح الصغير 2/ 285،286،وروضة الطالبين 10/ 278،وكشاف القناع 3/ 105

(3) - فتح القدير 4/ 298،وبدائع الصنائع 7/ 107،وابن عابدين 3/ 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت