فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 309

(فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَفُرِّعَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي الْمُوَطَّأِ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنَّ الرَّجُلَ يُعْطِي صَاحِبَهُ الذَّهَبَ الْجَيِّدَ وَيَجْعَلُ مَعَهُ رَدِيئًا، وَيَأْخُذُ مِنْهُ ذَهَبًا مُتَوَسِّطًا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَقَالَ: هَذَا لَا يَصْلُحُ لِأَنَّهُ أَخَذَ فَضْلَ جَيِّدِهِ مِنَ الرَّدِيءِ وَلَوْلَاهُ لَمْ يُبَايِعْهُ. اهـ وَمَا قَالَهُ فِي الْكُلِّيَّةِ الْأُولَى فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِنَا، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرِّرَةِ أَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، فَوَسِيلَةُ الطَّاعَةِ طَاعَةٌ، وَوَسِيلَةُ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ مِنَ الْكُلِّيَّةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ مَنْ مَنَعَ الْحِيَلَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الرِّبَا، أَوْ غَيْرِهِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ يَرَى إِبَاحَةَ الْحِيَلِ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الدَّخِيلِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَ عَامِلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، وَقَدْ قَالَ لَهُ: إِنَّهُ يُشْتَرَى صَاعُ تَمْرٍ جَيِّدٍ بِصَاعَيْ رَدِيءٍ حِيلَةٌ تُخْرِجُهُ عَنِ الرِّبَا، وَهِيَ أَنْ يَبِيعَ الرَّدِيءَ بِدَرَاهِمَ وَيَشْتَرِيَ بِهَا الْجَيِّدَ، فَافْهَمْ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ تَوَسَّطَ فِي مُعَامَلَةٍ أَخْرَجَهَا عَنِ الْمُعَامَلَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الرِّبَا جَائِزٌ، هَذَا وَقَدْ حَكَى الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَنْ أَعْطَى غَيْرَهُ شَيْئًا وَلَيْسَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَيَاءَ مِنَ النَّاسِ كَأَنْ سُئِلَ بِحَضْرَتِهِمْ شَيْئًا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَلَوْ كَانَ وَحْدَهُ لَمْ يُعْطَهُ، الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ أَخْذِهِ مِثْلَ هَذَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُكْرَهٌ بِسَبَبِ الْحَيَاءِ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ بِالسَّيْفِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ أَعْطَى غَيْرَهُ شَيْئًا مُدَارَاةً عَنْ عِرْضِهِ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَكَذَا مَنْ أَعْطَى حَاكِمًا أَوْ سَاعِيًا أَوْ أَسِيرًا شَيْئًا عَلِمَ الْمُعْطَى مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ لَهُ بِالْحَقِّ أَوْ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْحَقَّ إِلَّا إِنْ أَخَذَ شَيْئًا فَفِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَا يَمْلِكُ الْآخِذُ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» ،وَلِضَعْفِ دَلَالَةِ الْإِعْطَاءِ عَلَى الْمِلْكِ أَثَرُ الْقَصْدِ الْمُخْرِجِ لَهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِخِلَافِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ دَالٌّ قَوِيٌّ عَلَى الْمِلْكِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ قَصْدٌ قَارَنَهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ هَاهُنَا صَالِحٌ، وَهُوَ التَّخَلُّصُ عَنِ الرِّبَا، وَفِي تِلْكَ الصُّوَرِ فَاسِدٌ، وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ. [1]

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1270)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت