كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ نَاشَدْتُهَا فَأَبَتْ،فَقُلْتُ:وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ لَخَرَجَتْ قَبْلَ أَنْ أَدَعَ دِينِي هَذَا؛فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ،وَعَرَفَتْ أَنِّي لَسْتُ فَاعِلًا أَكَلَتْ" [1] "
هَذَا وَفِي الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ حَال حَيَاتِهِمَا خِلاَفٌ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ .
أَمَّا الاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا فَمَمْنُوعٌ،اسْتِنَادًا إِلَى قَوْله تَعَالَى: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (113) سورة التوبة فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لأَِبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ.وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الاِسْتِغْفَارِ لَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا وَحُرْمَتِهِ،وَعَلَى عَدَمِ التَّصَدُّقِ عَلَى رُوحِهِمَا [2] .
أَمَّا الاِسْتِغْفَارُ لِلأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ حَال الْحَيَاةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ؛إِذْ قَدْ يُسْلِمَانِ.
وَلَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ الْكَافِرَانِ عَنِ الْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ،مَخَافَةً عَلَيْهِ،وَمَشَقَّةً لَهُمَا بِخُرُوجِهِ وَتَرْكِهِمَا،فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ:لَهُمَا ذَلِكَ،وَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا بِرًّا بِهِمَا وَطَاعَةً لَهُمَا،إِلاَّ إِذَا كَانَ مَنْعُهُمَا لَهُ لِكَرَاهَةِ قِتَال أَهْل دِينِهِمَا،فَإِنَّهُ لاَ يُطِيعُهُمَا وَيَخْرُجُ لَهُ [3] .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ:يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْجِهَادِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا؛لأَِنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ فِي الدِّينِ،إِلاَّ بِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ وَنَحْوَهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.وَقَال الثَّوْرِيُّ:لاَ يَغْزُو إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَ الْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.أَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ لِحُضُورِ الصَّفِّ،أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ،أَوِ اسْتِنْفَارِ الإِْمَامِ لَهُ بِإِعْلاَنِ النَّفِيرِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الإِْذْنُ،وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا؛إِذْ أَصْبَحَ وَاجِبًا عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ؛لِصَيْرُورَتِهِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْجَمِيعِ [4] .
ــــــــــــــ
(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (25765 ) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 13 / 328 صحيح
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 245 ، والفواكه الدواني 2 / 384 ، والشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه 4 / 741 ، وشرح إحياء علوم الدين 6 / 316 .
(3) - ابن عابدين 3 / 220 .
(4) - المهذب 2 / 230 ، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج 9 / 232 ، ومطالب أولي النهى 2 / 513 ، والمغني 8 / 359 ط الرياض الحديثة ، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 2 / 175 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 240 .