أَمَّا إِنْ تَعَارَضَ بِرُّهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ،وَحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ إِيصَال الْبِرِّ إِلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً،فَقَدْ قَال الْجُمْهُورُ:طَاعَةُ الأُْمِّ مُقَدَّمَةٌ؛لأَِنَّهَا تَفْضُل الأَْبَ فِي الْبِرِّ [1] .
وَقِيل:هُمَا فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ،فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَال لِمَالِكٍ:وَالِدِي فِي السُّودَانِ،كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ،وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ،فَقَال لَهُ مَالِكٌ:أَطِعْ أَبَاكَ وَلاَ تَعْصِ أُمَّكَ.يَعْنِي أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي رِضَى أُمِّهِ بِسَفَرِهِ لِوَالِدِهِ،وَلَوْ بِأَخْذِهَا مَعَهُ،لِيَتَمَكَّنَ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَعَدَمِ عِصْيَانِ أُمِّهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ حِينَ سُئِل عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا قَال:أَطِعْ أُمَّكَ،فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ.كَمَا حَكَى الْبَاجِيُّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا،فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ابْنَهَا:بِأَنْ يَتَوَكَّل لَهَا عَلَى أَبِيهِ،فَكَانَ يُحَاكِمُهُ،وَيُخَاصِمُهُ فِي الْمَجَالِسِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الأُْمِّ.وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ،قَال:لأَِنَّهُ عُقُوقٌ لِلأَْبِ،وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا دَل عَلَى أَنَّ بِرَّهُ أَقَل مِنْ بِرِّ الأُْمِّ،لاَ أَنَّ الأَْبَ يُعَقُّ.وَنَقَل الْمُحَاسِبِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الأُْمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ عَلَى الأَْبِ . [2]
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالأَْقَارِبِ الْمُقِيمِينَ بِدَارِ الْحَرْبِ:
قَال ابْنُ جَرِيرٍ:إِنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ،مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ نَسَبٍ،أَوْ مَنْ لاَ قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلاَ نَسَبَ،غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلاَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ،إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،أَوْ دَلاَلَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ لأَِهْل الإِْسْلاَمِ،أَوْ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلاَحٍ . [3] ،وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا نُقِل عَنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيِّ فِي الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ،وَلاَ يَخْتَلِفُ عَمَّا ذُكِرَ،وَاسْتَدَل لَهُ بِإِهْدَاءِ عُمَرَ الْحُلَّةَ الْحَرِيرِيَّةَ إِلَى أَخِيهِ الْمُشْرِكِ.وَبِحَدِيثِ أَسْمَاءَ وَفِيهِمَا صِلَةُ أَهْل الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ وَصِلَةُ الْقَرِيبِ الْمُشْرِكِ،وَمِنَ الْبِرِّ لِلْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا؛لأَِنَّهُمَا لاَ يَرِثَانِ ابْنَهُمَا الْمُسْلِمَ [4] .
ــــــــــــــ
(1) - الفواكه الدواني 2 / 384 .
(2) - الفروق للقرافي 1 / 143 ، وتهذيب الفروق بهامشه ص 161 ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 10 / 402 - 403 .
(3) - جامع البيان للطبري 28 / 66 ط مصطفى الحلبي .
(4) - الآداب الشرعية 1 / 492 - 493 .