فَإِنْ تَعَارَضَا فِيهِ،بِأَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ أَحَدِهِمَا مَعْصِيَةُ الآْخَرِ،فَإِنَّهُ يُنْظَرُ:إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَأْمُرُ بِطَاعَةٍ وَالآْخَرُ يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةٍ،فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ الآْمِرَ بِالطَّاعَةِ مِنْهُمَا دُونَ الآْمِرِ بِالْمَعْصِيَةِ،فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ .
وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَاحِبَهُ بِالْمَعْرُوفِ لِلأَْمْرِ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } (سورة لقمان / 15) وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ،إِلاَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ .
أَمَّا إِنْ تَعَارَضَ بِرُّهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ،وَحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ إِيصَال الْبِرِّ إِلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً،فَقَدْ قَال الْجُمْهُورُ:طَاعَةُ الأُْمِّ مُقَدَّمَةٌ؛لأَِنَّهَا تَفْضُل الأَْبَ فِي الْبِرِّ . [1]
وَقِيل:هُمَا فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ،فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَال لِمَالِكٍ:وَالِدِي فِي السُّودَانِ،كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ،وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ،فَقَال لَهُ مَالِكٌ:أَطِعْ أَبَاكَ وَلاَ تَعْصِ أُمَّكَ.يَعْنِي أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي رِضَى أُمِّهِ بِسَفَرِهِ لِوَالِدِهِ،وَلَوْ بِأَخْذِهَا مَعَهُ،لِيَتَمَكَّنَ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَعَدَمِ عِصْيَانِ أُمِّهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ حِينَ سُئِل عَنِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا قَال:أَطِعْ أُمَّكَ،فَإِنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ.كَمَا حَكَى الْبَاجِيُّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا،فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ابْنَهَا:بِأَنْ يَتَوَكَّل لَهَا عَلَى أَبِيهِ،فَكَانَ يُحَاكِمُهُ،وَيُخَاصِمُهُ فِي الْمَجَالِسِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الأُْمِّ.وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ،قَال:لأَِنَّهُ عُقُوقٌ لِلأَْبِ،وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا دَل عَلَى أَنَّ بِرَّهُ أَقَل مِنْ بِرِّ الأُْمِّ،لاَ أَنَّ الأَْبَ يُعَقُّ.وَنَقَل الْمُحَاسِبِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الأُْمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ عَلَى الأَْبِ . [2]
وقَال ابْنُ جَرِيرٍ:إِنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ،مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ نَسَبٍ،أَوْ مَنْ لاَ قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَلاَ نَسَبَ،غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلاَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ،إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،أَوْ دَلاَلَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ لأَِهْل الإِْسْلاَمِ،أَوْ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلاَحٍ . [3]
(1) - الفواكه الدواني 2 / 384 .
(2) - الموسوعة الفقهية الكويتية - (8 / 67) والفروق للقرافي 1 / 143 ، وتهذيب الفروق بهامشه ص 161 ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 10 / 402 - 403 .
(3) - جامع البيان للطبري 28 / 66 ط مصطفى الحلبي .