فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 115

فالذي يرجوه إبراهيم هو مجرد تجنيبه الشقاوة .. وذلك من الأدب والتحرج الذي يستشعره. فهو لا يرى لنفسه فضلا،ولا يتطلع إلى أكثر من تجنيبه الشقاوة! وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم وآلهتهم وهجر أهله ودياره،فلم يتركه اللّه وحيدا. بل وهب له ذرية وعوضه خيرا: «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ. وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا. وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا،وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا» ..

وإسحاق هو ابن إبراهيم،رزقه من سارة - وكانت قبله عقيما - ويعقوب هو ابن إسحاق:ولكنه يحسب ولدا لإبراهيم لأن إسحاق رزقه في حياة جده،فنشأ في بيته وحجره،وكان كأنه ولده المباشر وتعلم ديانته ولقنها بنيه. وكان نبيا كأبيه.

«وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا» إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونسلهم .. والرحمة تذكر هنا لأنها السمة البارزة في جو السورة،ولأنها هبة اللّه التي تعوض إبراهيم عن أهله ودياره،وتؤنسه في وحدته واعتزاله.

« وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا» .. فكانوا صادقين في دعوتهم،مسموعي الكلمة في قومهم. يؤخذ قولهم بالطاعة وبالتبجيل. [1]

وهذا مثال آخر وقع مع الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه،قَالَ أَبُو كَثِيرٍ السُّحَيْمِيُّ:سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:مَا سَمِعَ بِي أَحَدٌ،يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ،إِلَّا أَحَبَّنِي،إِنَّ أُمِّي كُنْتُ أُرِيدُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى،فَقُلْتُ لَهَا،فَأَبَتْ،فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ:ادْعُ اللَّهَ لَهَا،فَدَعَا،فَأَتَيْتُهَا - وَقَدْ أَجَافَتْ عَلَيْهَا الْبَابَ - فَقَالَتْ:يَا أَبَا هُرَيْرَةَ،إِنِّي أَسْلَمْتُ،فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ:ادْعُ اللَّهَ لِي وَلِأُمِّي،فَقَالَ:"اللَّهُمَّ،عَبْدُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأُمُّهُ،أَحِبَّهُمَا إِلَى النَّاسِ" [2]

وعَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ،قَالَ:كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ،فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَكْرَهُ،فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا أَبْكِي،قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ،فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ،فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"اللَّهُمَّ"

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2311)

(2) - الْأَدَبُ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ (35 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت