مَرْجِعُكُمْ» بعد رحلة الأرض المحدودة «فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ولكل جزاء ما عمل من كفران أو شكران،ومن شرك أو توحيد. [1]
وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (15) سورة الأحقاف
بَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللهَ تَعَالى عِبَادَهَ بالإِيمانِ بِهِ وَبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ،وبما جاءَ بِهِ مِنْ كِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ،والاستِقَامَةِ عَلَى الإِيمانِ،حَثَّ النَّاسَ عَلَى الإِحسَانِ إِلى الوَالِدَينِ فأَخبَرَ تَعَالَى:أَنَّهُ أَمَرَ الإِنسَانَ بالإِحسَانِ إِلى وَالديْهِ،وَبِالحُنُوِّ عَلَيهِما،وَجَعَلَ برَّهُما مِنْ أَفْضَلِ القُرُبَاتِ إِلى اللهِ،وَجَعَلَ عُقُوقَهُما مِنَ كَبَائِرِ الذُّنوبِ،ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى سَبَبَ تَوصِيَتِهِ الإِنسَانَ بِبِرِّ وَالدَيهِ،فَقَالَ:إِنَّ أُمَّهُ قَاسَتْ في حَمْلِهِ مَشَقَّةً وَتَعَبًا،وَقَاسَتْ في وَضعِهِ مَشَقَّةً وأَلمًا،وَكُلُّ ذَلِكَ يَسْتَدعي مِنَ الإِنسانِ الشكرَ،واستِحقَاقَ التَّكريمِ،وَجَميلَ الصُّحْبَةِ.وَمُدَّةُ حَمْلِ الطّفْلِ،وفِطَامِهِ،ثَلاثُونَ شَهْرًا تَتَحَمَّلُ فِيها الأٌمُ أَعْظَمَ المَشَاقِّ.حَتَّى إِذَا بَلَغَ الطّفْلُ كَمَالَ قُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ،وَبَلَغَ أَربَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ قَالَ:رَبِّ أَلْهِمْنِي وَوَفِّقْنِي إِلى شُكْرِ نِعْمَتِكَ التِي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ،وَعَلَى وَالِدَيَّّ،مِنْ صِحَّةِ جِسْمٍ،وَسَعَةِ عَيْشٍ،واجْعْلَنْي أَعْمَل عَمَلًا صَالِحا يُرضِيكَ عَنِّي لأَنَالَ مَثُوبَتَهُ عِنْدَكَ،وَاجَعْلِ اللهُمَّ الصَّلاَحَ سَارِيًا في ذُرِّيَّتِي،إِني تُبتُ إِليكَ مِنْ ذُنُوبِي التِي صَدَرتَ عَنِّي فِيما سَلَفَ مِنْ أَيَّامِي،وَإِنِّي مِنَ المُستَسلِمِينَ لأَمرِكَ وَقَضَائِكَ . [2]
فهي وصية لجنس الإنسان كله،قائمة على أساس إنسانيته،بدون حاجة إلى أية صفة أخرى وراء كونه إنسانا. وهي وصية بالإحسان مطلقة من كل شرط ومن كل قيد. فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها،بدون حاجة إلى أية صفة أخرى كذلك. وهي وصية صادرة من خالق الإنسان،وربما كانت خاصة بهذا الجنس أيضا. فما يعرف في عالم الطير أو الحيوان أو الحشرات وما إليها أن صغارها مكلفة برعاية كبارها.
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2788)
(2) - ايسر التفاسير لحومد