وإنه لا خيار .. فإن حق اللّه أولى وألزم .. إنه يجبّ كل حق،ويعلو على كل واجب .. ولكن مع هذا،فإنه يبقى ـ مع الاحتفاظ بحق اللّه،والوفاء به ـ اللطف،والرفق،والمحاسن .. فإن ذلك لا يجور على حق اللّه ولا يؤثر في الإيمان الذي عمر به القلب: « وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما .. وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا » .
.فهذا هو أعدل موقف يأخذه الإنسان هنا،فيحتفظ فيه بحق اللّه،ولا يجحد بعض ما لأبويه من حقوق.
ـ وقوله تعالى: « وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ » توكيد لما جاء في قوله تعالى: « فَلا تُطِعْهُما » ومعطوف عليه.وسبيل من أناب إلى اللّه،هو سبيل المؤمنين،كما يقول سبحانه: « وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا » (115:النساء) .
وقوله تعالى: « ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » قطع لهذا الجدل،وذلك الخلاف حول الإيمان والشرك،فيمايدور بين الابن وأبويه،وإحالة لهذا الخلاف إلى اللّه سبحانه وتعالى،ليحكم فيه،ويجزى كلّا بما عمل. [1]
وتوصية الولد بالوالدين تتكرر في القرآن الكريم،وفي وصايا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولم ترد توصية الوالدين بالولد إلا قليلا. ومعظمها في حالة الوأد - وهي حالة خاصة في ظروف خاصة - ذلك أن الفطرة تتكفل وحدها برعاية الوليد من والديه. فالفطرة مدفوعة إلى رعاية الجيل الناشئ لضمان امتداد الحياة،كما يريدها اللّه وإن الوالدين ليبذلان لوليدهما من أجسامهما وأعصابهما وأعمارهما ومن كل ما يملكان من عزيز وغال،في غير تأفف ولا شكوى بل في غير انتباه ولا شعور بما يبذلان! بل في نشاط وفرح وسرور كأنهما هما اللذان يأخذان! فالفطرة وحدها كفيلة بتوصية الوالدين دون وصاة! فأما الوليد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة ليلتفت إلى الجيل المضحي المدبر المولّى الذاهب في أدبار
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 566)