وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى الأَبْنَاءَ بِالتَّوَاضُعِ للأَبَوَيْنِ فِي تَصَرُّفِهِمْ مَعَهَمُا،حَتَّى يَبْدُو الأَبْنَاءَ وَكَأَنَّهُمْ أَذِلاَّءُ مِنْ شِدَّةِ الرَّحْمَةِ،لاَ يَرُدُّونَ لَهُمَا طَلَبًا،وَلاَ يَرْفُضُونَ لَهُمَا أَمْرًا.ثُمَّ أَمْرَ الأَبْنَاءَ بِالدُّعَاءِ لِلأَبَوَيْنِ،وَالتَّرَحُّمْ عَلَيْهِمَا،جَزَاءَ مَا احْتَمَلاَه فِي تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ مِنْ عَنَاءٍ وَمَشَقَّةٍ وَعَنَتٍ .
رَبُّكُمْ أَيُّها النَّاسُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ مِنْ تَعْظِيمِكُمْ أَمْرَ آبَائِكُمْ وَأُمَهَاتِكُمْ،وَالبِرِّ بِهِمْ،وَمِنَ الاسْتِخْفَافِ بِحُقُوقِهِمْ،وَالعُقُوقِ لَهُمْ،وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى حَسَنِ ذلِكَ وَسَيِّئِهِ،فَاحْذَرُوا أَنْ تُضْمِروا لَهُمْ سُوءًا،أَوْ تَجْعَلُوا لَهُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عُقُوقًا،فَأَنْتُمْ إِنْ أَصْلَحْتُمْ نِيَّاتِكُمْ فِيهِمْ،وَأَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ البِرِّ بِهِمْ،بَعْدَ هَفْوَةٍ كَانَتْ مِنْكُمْ،أَوْ زَلَّةٍ فِي وَاجِبٍ لَهُمْ عَلَيْكُمْ،فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَكُمْ مَا فَرَطَ مِنْكُمْ،فَهُوَ غَفَّارٌ لِمَنْ يَتُوبُ مِنْ ذَنْبِهِ،وَيَرْجِعُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَى طَاعَتِهِ .
«وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» ..فهو أمر بتوحيد المعبود بعد النهي عن الشرك. أمر في صورة قضاء. فهو أمر حتمي حتمية القضاء. ولفظة «قَضى » تخلع على الأمر معنى التوكيد،إلى جانب القصر الذي يفيده النفي والاستثناء «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» فتبدو في جو التعبير كله ظلال التوكيد والتشديد.
فإذا وضعت القاعدة،وأقيم الأساس،جاءت التكاليف الفردية والاجتماعية،ولها في النفس ركيزة من العقيدة في اللّه الواحد،توحد البواعث والأهداف من التكاليف والأعمال.
والرابطة الأولى بعد رابطة العقيدة،هي رابطة الأسرة،ومن ثم يربط السياق بر الوالدين بعبادة اللّه،إعلانا لقيمة هذا البر عند اللّه: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما:أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا،وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ،وَقُلْ:رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» .
بهذه العبارات الندية،والصور الموحية،يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء.
ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء،توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة. إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة.