فهرس الكتاب

الصفحة 9763 من 11127

6565 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، أنَّه(قَالَ قَالَ

ج 27 ص 444

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)وفي رواية المستملي بصيغة الفعل الماضي، والأوَّل المعتمد. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( أنا سيِّد النَّاس يوم القيامة، يجمعُ الله النَّاس الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ يُسمعهم الدَّاعي، ويَنفذهم البصر، وتدنو الشَّمس من رؤوسهم، فيبلغ النَّاس من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ) ) [خ¦4712] .

وفي رواية إسحاق بن راهويه عن جرير عن عُمَارة بن القعقاع عن أبي زُرعة فيه «وتدنو الشَّمس من رؤوسهم، ويشتدُّ عليهم حرُّها، ويشقُّ عليهم دنوُّها» ، وفي رواية (( والعرق كاد يُلجمهم ) ). وفي رواية معتمر (( يلبثون ما شاء الله من الحبس ) )، وعند مسلمٍ من حديث المقداد (( إنَّ الشَّمس تدنو حتَّى تصيرَ من النَّاس قدر ميلٍ ) )وفيه بيان تفاوتهم في العرق بقدر أعمالهم. وفي حديث سلمان (( تُعطى الشَّمس يوم القيامة حرَّ عشر سنين، ثمَّ تُدنى من جماجم النَّاس فيعرقون حتَّى يَرشحَ العرق في الأرض قامةً، ثمَّ يرتفع الرَّجل حتَّى يقول عقَّ عقَّ ) ). وفي رواية النَّضر بن أنس (( لغمِّ ما هم فيه، والخلق يلجمون بالعرق، فأمَّا المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأمَّا الكافر فيغشاه العرق ) ). وفي حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه رفعه (( إنِّي لسيِّد النَّاس يوم القيامة بغير فخرٍ، وما من النَّاس إلَّا من هو تحت لوائي ينتظرُ الفرج وإنَّ معي لواء الحمد ) ).

(فَيَقُولُونَ) من الضَّجر والجزع ممَّا هم فيه (لَوِ اسْتَشْفَعْنَا) بالعين، وفي رواية مسلم (( فيُلهمون ذلك ) )، وفي رواية «فيهتمون بذلك» ، وفي رواية همَّام (( حتَّى يُهتمُّوا بذلك ) ) (عَلَى رَبِّنَا) وفي رواية هشام وسعيد (( إلى ربِّنا ) )ووجه (( على ) )بأنَّه ضُمِّن معنى الاستعانة؛ لأنَّ الاستشفاعَ طلب الشَّفاعة وهي انضمامُ الأدنى إلى الأعلى؛ ليستعين به على ما يرومه (حَتَّى يُرِيحَنَا) بالحاء المهملة، من الإراحة؛ أي يخلِّصنا.

(مِنْ مَكَانِنَا) وما فيه من الأهوال، و «لو» هي المتضمِّنة للتَّمني والطَّلب،

ج 27 ص 445

فلا تحتاج إلى جوابٍ، أو جوابها محذوف، وفي حديث حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما معًا (( يجمعُ الله النَّاس يوم القيامة فيقوم المؤمنون حتَّى تُزْلفَ لهم الجنَّة فيأتون آدم ) «حتَّى» غاية؛ لقيامهم المذكور، ويؤخذ منه أنَّ طلبهم الشَّفاعة يقع حين تُزلف لهم الجنَّة. ووقع في أوَّل حديث أبي نضرة عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه عند مسلمٍ رفعه (( أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض ... ) )الحديث، وفيه (( فيفزع النَّاس ثلاث فزعاتٍ، فيأتون آدم ... ) )الحديث.

قال القرطبيُّ كأنَّ ذلك يقع إذا جيء بجهنَّم، فإذا زفرت فزع النَّاس حينئذٍ وجثوا على ركبهم، وفي حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه عند ابن حبَّان (( إنَّ الرَّجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتَّى يقول يا ربِّ أرحني ولو إلى النَّار ) ). وفي رواية ثابتٍ عن أنس رضي الله عنه (( يطول يوم القيامة على النَّاس فيقول بعضهم لبعضٍ انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فيشفع إلى ربِّنا فليقضِ بيننا ) )، وفي حديث سلمان رضي الله عنه (( فإذا رأوا ما هم فيه، قال بعضُهم لبعضٍ ائتوا أباكم آدم ) ).

(فَيَأْتُونَ آدَمَ) عليه السَّلام وقدَّموه؛ لأنَّه الأوَّل، وفي رواية شيبان (( فينطلقون حتَّى يأتوا آدم فيقولون أنت الَّذي خلقك ... إلى آخره ) )، وفي رواية مسلم (( يا آدم أنت أبو البشر ) )، وفي رواية همام وشيبان (( أنت أبو البشر ) ). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحو رواية مسلمٍ، وفي رواية حذيفة (( فيقولون يا أبانا ) ).

(فَيَقُولُونَ) بعثًا له على أن يشفعَ لهم (أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) زاد همَّام في روايته الآتية إن شاء الله تعالى في «كتاب التَّوحيد» [خ¦7440] (( وأسكنك جنَّته وعلَّمك أسماء كلِّ شيءٍ ) )، ووضع «أسماء» موضع «أشياءٍ» ؛ أي المسميات لقوله تعالى {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة 31] أي أسماء المسميات (وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (فَسَجَدُوا لَكَ) سجود خضوعٍ لا سجود عبادةٍ، وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه (( أنت أبو البشر، وأنت اصطفاكَ الله ) ) (فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا) حتَّى يريحنا من مكاننا هذا، وفي رواية مسلم (( عند ربِّك ) )وكذا شيبان،

ج 27 ص 446

وفي حديث أبي بكرٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما (( اشفع لنا إلى ربِّك ) ). وزاد أبو هريرة (( ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما بلغنا ) )، وفي رواية حذيفة وأبي هريرة (( فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنَّة ) ).

(فَيَقُولُ) آدم عليه السَّلام (لَسْتُ هُنَاكُمْ) بضم الهاء وتخفيف النون، قال القاضي عياض قوله (( لست هُنَاكم ) )كنايةً عن أنَّ منزلته دون المنزلة المطلوبة؛ أي لست في المكان والمنزل الَّذي تحسبونني؛ يريد به مقام الشَّفاعة، قاله تواضعًا وإكبارًا لما يسألونه.

قال القاضي وقد يكون فيه إشارةً إلى أنَّ هذا المقام ليس لي بل لغيري، وقد وقع في رواية معبد بن هلال (( فيقول لستُ لها ) )، وفي رواية حذيفة (( لستُ لصاحب ذاك ) )وهو يؤيِّد الإشارة المذكورة.

(وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) الَّتي أصابها، زاد همام (( أَكْلَه من الشَّجرة، وقد نُهِي عنها ) )وهو بنصب «أكله» بدلًا من قوله «خطيئته» ، وفي رواية هشام (( فيذكر ذنبه فيستحيي ) )، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( إنِّي قد أُخرجت بخطيئتي من الجنَّة ) ). وفي رواية أبي نضرة عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه (( وإنِّي أذنبت ذنبًا فأُهبطت به إلى الأرض ) )، وفي رواية حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما معًا (( هل أَخرجكم من الجنَّة إلَّا خطيئة أبيكم آدم ) )، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور (( إنِّي أخطأتُ وأنا في الفردوس فإن يُغفرَ لي اليوم حسبي ) ). وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( وإنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضبْ قبله مثله، ولن يغضبَ بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشَّجرة فعصيت، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري ) ).

(وَيَقُولُ) لهم (ائْتُوا نُوحًا) عليه السَّلام، وسقط في رواية أبي ذرٍّ «ويقول» (أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ) وفي رواية هشام (( فإنَّه أوَّل رسولٍ بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا ) )، وفي حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه (( انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكُم، إلى نوحٍ، ائْتُوا عبدًا شكورًا ) )، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( اذهبوا إلى نوحٍ ) )

ج 27 ص 447

(فَيَأْتُونَهُ) وفي حديث أبي هريرة (( فيأتون نوحًا، فيقولون يا نوحٌ أنتَ أوَّل الرُّسل إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورًا ) )، وفي حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه (( فينطلقون إلى نوحٍ فيقولون يا نوحٌ اشفعْ لنا إلى ربِّك، فإنَّ الله اصطفاكَ واستجاب لك دعاءك ولم يدعْ على الأرض من الكافرين ديَّارًا ) ).

وقد استشكلت هذه الأوليَّة بأنَّ آدم نبيٌّ مرسلٌ، وكذا شيث وإدريس، وهما قبل نوح عليهم السَّلام، وقد تقدَّم الجواب عن ذلك في شرح حديث جابرٍ رضي الله عنه (( أعطيت خمسًا ) )في «كتاب التَّيمم» ، وفيه (( النَّبي يبعث إلى قومه خاصَّة ) ) [خ¦335] .

ومحصل الأجوبة عن الإشكال أنَّ الأوليَّة مقيَّدة بقوله (( أهل الأرض ) )لأنَّ آدم ومن ذكر معه عليهم السَّلام لم يُرسَلوا إلى أهل الأرض كلِّهم، بخلاف بعثة نوحٍ عليه السَّلام، فإنَّ بعثته إلى أهل الأرض باعتبار الواقع لِصِدْقِ أنَّهم قومه، بخلاف بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم لقومه ولغيرهم، أو الأوليَّة مقيَّدة بكونه أهلك قومه، أو أنَّ الثَّلاثة كانوا أنبياء، ولم يكونوا رسلًا، وإلى هذا جنحَ ابن بطَّال في حقِّ آدم عليه السَّلام.

وتعقَّبه القاضي عياض بما صحَّحه ابن حبَّان من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه فإنَّه كالصَّريح في أنَّه كان مرسلًا، وفيه التَّصريح بإنزال الصُّحف على شيث، وهو من علامة الإرسال، وأمَّا إدريس فذهب طائفةٌ إلى أنَّه كان في بني إسرائيل وهو إلياس، وقد ذكر في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3342] .

ومن الأجوبة أنَّ آدم أُرسل إلى بنيه، وهم موحِّدون ليعلِّمهم شريعته، ونوحٌ كانت رسالته إلى قومٍ كفَّار ليدعوهم إلى التَّوحيد، وقال الكرمانيُّ إنَّه مختلفٌ فيه، ويحتمل أن يُقال المراد هو أوَّل رسولٌ أنذر قومه الهلاك، أو أوَّل رسولٍ له قومٌ. انتهى.

وقال العينيُّ وفي كلٍّ من الأجوبة نظرٌ، أمَّا الأول؛ فلأنَّ آدم عليه السَّلام رسولٌ قد أُرسل إلى أولاد قابيل، ونزل عليه إحدى وعشرون صحيفةً أملاها عليه جبريل عليه السَّلام، وكتبها بخطِّه بالسِّريانيَّة، وفرض عليه في اليوم والليلة خمسون ركعةً، وحُرِّم عليه الميتة والدَّم ولحم الخنزير والبغي والظُّلم والغدر والكذب والزِّنى.

وأمَّا الثَّاني فلأنَّ آدم عليه السَّلام أيضًا أنذر أولاده ممَّا فيه الهلاك، وأوصى بذلك عند موته.

وأمَّا الثَّالث فلأنَّ آدم عليه السَّلام أيضًا له قومٌ، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ آدم عليه السَّلام لم يمتْ حتَّى بلغَ ولده وولد ولده أربعين ألفًا، ورأى فيهم الزِّنا وشرب الخمر والفساد ونهاهم. انتهى والله تعالى أعلم.

(فَيَقُولُ) لهم (لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) الَّتي أصاب فيستحيي ربُّه منها، وفي رواية هشام «فيذكر سؤال ربِّه ما ليس به علمٌ» ، وهو قوله {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود 45] ، وفي رواية شيبان (( سؤال الله ) ). وفي رواية معبد بن هلالٍ مثل جواب آدم، لكن قال (( وإنَّه كانت لي دعوةٌ دعوتُ بها على قومي ) )، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما فيقول (( ليس ذاكم عندي ) )، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( إنِّي دعوت بدعوةٍ أغرقت أهل الأرض ) )، ويجمع بينه وبين الأوَّل

ج 27 ص 448

بأنَّه اعتذر بأمرين

أحدهما نهيُ الله تعالى أن يسألَ ما ليس له به علمٌ، فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك. وثانيهما أنَّ له دعوةٌ واحدةٌ محقَّقة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه على أهلِ الأرض، فخشي أن يطلبَ فلا يجاب.

وقال بعض الشُّراح كان الله وعد نوحًا أن ينجيه وأهله، فلمَّا غرق ابنه ذكر لربِّه ما وعده فقيل له المراد «من أهلك» من آمن وعمل صالحًا، فخرج ابنك منهم فلا تسألَ ما ليس لك به علمٌ.

تنبيهان

الأوَّل سقط من حديث حذيفة المقرون بأبي هريرة رضي الله عنهما [ذكر نوح] فقال في قصَّة آدم عليه السَّلام (( اذهبوا إلى ابني إبراهيم ) )وكذا سقط من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والعُمدة على من حفظ.

الثَّاني ذكر أبو حامدٍ الغزالي في «كشف علوم الآخرة» أنَّ بين إتيان أهل الموقف الموقفَ، وبين إتيانهم نوحًا عليه السَّلام ألف سنةٍ، وكذا بين كلِّ نبيٍّ ونبيٍّ إلى نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ العَسقلاني ولم أقف لذلك على أصل، ولقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها، فلا يُغترُّ بشيءٍ منها.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ جلالة قدر الغزالي تنافي ما ذكره، وعدم وقوفه لذلك على أصل لا يستلزم نفي وقوف غيره لذلك على أصلٍ، ولم يحطْ علم هذا القائل بكلِّ ما ورد، وبكلِّ ما نُقل حتَّى يدَّعي هذه الدَّعوى. انتهى.

وقال الحافظ العَسقلاني إنَّ جلالة الغزالي لا تنافي أنَّه يُحسِّن الظَّن ببعض الكتب فينقل منها، ويكون ذلك المنقول غير ثابتٍ كما وقع له ذلك في «الإحياء» في نقله من «قوت القلوب» كما نبَّه على ذلك غير واحدٍ من الحفَّاظ، ولقد اعترف هو بأنَّ بضاعته مزجاةٌ في الحديث.

وقال الحافظ ولم أدَّعِ أنِّي أحطت علمًا، وإنَّما نفيت اطِّلاعي، واطِّلاعي في الثَّاني محمولٌ على تقييدي في الأول، والحكم لا يثبت بالاحتمال، فلو كان هذا المدَّعي _ يعني العينيَّ _ اطَّلع على شيءٍ من ذلك يخالفُ قولي لأبرزه وتبجَّح به. انتهى والله أعلم.

(ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، فَيَأْتُونَهُ) وفي رواية مسلم (( فيأتون إبراهيم ) )وزاد أبو هريرة رضي الله عنه في حديثه (( فيقولون يا إبراهيم أنت نبيُّ الله وخليله من أهل الأرض، قم اشفع لنا إلى ربِّك ) )، وذكر مثل ما لآدم قولًا وجوابًا إلَّا أنَّه قال (( قد كنت كذبت ثلاث كذباتٍ وذكرهنَّ ) ).

(فَيَقُولُ) لهم (لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) زاد مسلم (( الَّتي أصاب فيستحيي ربَّه منها ) )، وفي حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه (( ليس ذاكم عندي ) )، وفي رواية همام (( إنِّي كذبت ثلاث كذباتٍ ) ). زاد شيبان في روايته قوله {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات 89] ، وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} [الأنبياء 63] ، وقوله لامرأته (( أخبريه أنِّي أخوك ) ) [1] .

وفي رواية أبي نضرة عن أبي سعيدٍ (( فيقول إنِّي كذبت ثلاث كذباتٍ ) )قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما منها كذبةٌ إلَّا ماحلَ بها عن دين الله ) ). ومَاحل _ بمهملة _ يعني جادل، وزنه ومعناه،

ج 27 ص 449

ووقع في رواية حذيفة المقرونة (( لست بصاحبِ ذاكَ إنَّما كنتُ خليلًا من وراء وراء ) )وضُبط بفتح الهمزة وضمها، واختلف التَّرجيح فيهما فقال النَّووي أشهرهما الفتح بلا تنوينٍ، ويجوز بناؤهما على الضَّم، وصوَّبه أبو البقاء والكندي. وصوَّب ابن دِحية الفتح على أنَّ الكلمة مركَّبة مثل شذرَ مذرَ، وإن ورد منصوبًا منونًا جاز، ومعناه لم أكن في التَّقريب والإدلال بمنزلة الحبيب.

قال صاحب «التحرير» هذه كلمةٌ تقال على سبيل التَّواضع؛ أي لست في تلك الدَّرجة، قال الحافظ العَسقلاني وقد وقع لي معنى مليح، وهو أنَّ الفضل الَّذي أعطيته كان بسفارة جبريل عليه السَّلام، ولكن ائتوا موسى عليه السَّلام الَّذي كلَّمه الله بلا واسطةٍ، وكرَّر (( وراءَ ) )إشارة إلى نبيِّنا صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه حصلت له الرُّؤية والسَّماع بلا واسطةٍ، فكأنَّه قال الأمر وراء موسى الَّذي هو وراء محمَّد صلى الله عليه وسلم.

قال البيضاويُّ الحقُّ أنَّ الكلمات الثَّلاث إنَّما كانت من معاريض الكلام، لكن لمَّا كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغارًا لنفسه عن الشَّفاعة مع وقوعها؛ لأنَّ من كان أعرف بالله وأقرب إليه منزلةً كان أعظم خوفًا.

(ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي وفي رواية مسلم (( ولكن ائتوا موسى ) )، وزاد (( وأعطاه الله التَّوراة ) )، وكذا في رواية هشام وغيره، وفي رواية معبد بن هلال (( ولكن عليكم بموسى فإنَّه كليم الله ) ). وفي رواية الإسماعيلي (( عبدٌ أعطاهُ الله التَّوراة وكلَّمه تكليمًا ) )، زاد همام في روايته (( وقرَّبه نجيًا ) )، وفي رواية حذيفة المقرونة (( اعمدوا إلى موسى ) ).

(فَيَأْتُونَهُ) وفي رواية مسلم (( فيأتون موسى ) )، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فيقولون يا موسى أنتَ رسول الله، فضَّلك الله برسالته وكلامه اشفعْ لنا ) )فذكر مثل آدم قولًا وجوابًا (فَيَقُولُ) لهم (لَسْتُ هُنَاكُمْ) وفي رواية أبي ذرٍّ سقط قوله (( فيقول لست هُناكم ) ).

(فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ) وفي حديث أبي هريرة (( إنِّي قتلت نفسًا،

ج 27 ص 450

ولم أؤمر بقتله )) ، وفي رواية (( إنِّي قتلت نفسًا بغير نفسٍ، وإن يغفر لي اليوم حسبي ) ) (ائْتُوا عِيسَى) زاد مسلم (( رُوح الله ) )، وفي رواية هشام (( عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ) )، وفي حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه (( فإنَّه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ) ).

(فَيَأْتُونَهُ) وفي رواية مسلمٍ (( فيأتون عيسى ) )وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( فيقولون يا عيسى أنت رسولُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلَّمت النَّاس في المهد صبيًّا، اشفع لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحن فيه ) )فذكر مثل آدم قولًا وجوابًا (فَيَقُولُ) لهم (لَسْتُ هُنَاكُمْ) ولم يذكر ذنبًا، لكن وقع في رواية أبي نضرة عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه (( إنِّي عُبِدتُ من دون الله ) )رواه مسلمٌ، وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه، وزاد (( إنْ يَغفر لي حسبي ) ).

(ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقد ألهم الله النَّاس سؤال آدم ومن بعدَه في الابتداء ولم يُلهموا سؤال نبيِّنا صلى الله عليه وسلم مع أنَّ فيهم من سمع هذا الحديث منه صلى الله عليه وسلم وتحقُّق اختصاصه به إظهارًا لفضيلة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، ورفعة منزلته، وكمال قربهِ وتفضيله على جميع المخلوقين.

(فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ) وفي رواية مسلم (( عبدٌ غفرَ له ... إلى آخره ) )زاد ثابت (( وما تأخَّر من ذنبه ) )، وفي رواية هشام (( غفرَ الله له ) )وفي رواية مُعتمر (( انطلقوا إلى من جاء اليوم مغفورًا له ليس عليه ذنبٌ ) ). وفي رواية ثابتٍ أيضًا (( خاتم النَّبيين قد حضر اليوم، أرأيتم لو كان متاعٌ في وعاء قد خُتِم عليه، أكان يُقْدَم على ما في الوعاء حتَّى يُفضَّ الخاتمُ ) )، وعند سعيد بن منصورٍ من هذا الوجه (( فيرجعون إلى آدم، فيقول أرأيتم ... إلى آخره ) ).

وفي حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه (( ولكن انطلقوا إلى سيِّد ولد آدم، فإنَّه أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض ) )، قال القاضي عياض اختلف في تأويل قوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح 2] ، فقيل المتقدِّم ما قبل النُّبوة،

ج 27 ص 451

والمتأخِّر العصمة، وقيل ما وقع عن سهوٍ أو تأويل. وقيل المتقدِّم ذنب آدم، والمتأخِّر ذنب أمَّته، وقيل المعنى أنَّه مغفورٌ له غير مؤاخذٍ لو وقع، وقيل غير ذلك، قال الحافظ العَسقلاني واللَّائق بهذا المقام القول الرَّابع، أمَّا الثَّالث فلا يتأتَّى هنا.

ويستفادُ من قول عيسى عليه السَّلام في حقِّ نبيِّنا هذا، ومن قول موسى فيما تقدَّم «إنِّي قتلت نفسًا بغير نفسٍ، وإن يغفر لي اليوم حسبي» ، مع أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد غفرَ له بنصِّ القرآن التَّفرقُة بين من وقع منه شيءٌ وبين من لم يقع منه شيءٌ أصلًا.

فإنَّ موسى عليه السَّلام مع وقوع المغفرة له لم يرتفع إشفاقه وخوفَه من المؤاخذة بذلك، إذ رأى تقصيرًا من مقام الشَّفاعة مع وجود ما صدرَ منه، بخلاف نبيِّنا صلى الله عليه وسلم في ذلك كلِّه، ومن ثمَّة احتجَّ عيسى عليه السَّلام بأنَّه صاحب الشَّفاعة؛ لأنَّه غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، بمعنى أنَّ الله تعالى أخبر أنَّه لا يؤاخذه بذنبٍ لو وقع منه، وهذا من النَّفائس الَّتي فتح الله في «فتح الباري» فله الحمد.

(فَيَأْتُونِي) وفي رواية النَّضر بن أنسٍ عن أبيه حدَّثني نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم قال «إنِّي لقائمٌ أنتظر أمَّتي تعبر الصِّراط، إذ جاء عيسى عليه السَّلام، فقال يا محمَّد هذه الأنبياء قد جاءتك يسألون لتدعو الله أن يفرِّق جميعَ الأمم إلى حيث يشاء لغمِّ ما هُم فيه» .

فأفادت هذه الرِّواية تعيين موقف النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الَّذي وصف من كلام أهل الموقف كلِّه يقع عند نصب الصِّراط بعد تساقط الكفَّار في النَّار، وأنَّ الأنبياء جمعيًا يسألونه في ذلك. وقد أخرج التِّرمذي وغيره من حديث أُبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه في نزول القرآن على سبعة أحرفٍ، وفيه (( وأخَّرت الثَّالثة ليومٍ يرغب فيه إليَّ الخلق حتَّى إبراهيم عليه السَّلام ) )، ووقع في رواية مَعبد بن هلالٍ (( فيأتوني فأقول أنا لها، أنا لها ) ).

وفي حديث سلمان عند أبي بكر بن أبي شيبة (( يأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم فيقولون يا نبيَّ الله أنت الَّذي فتحَ الله بك وختم، وغفرَ لك

ج 27 ص 4523

ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، وجئت في هذا اليوم وترى ما نحن فيه، فقمْ واشفعْ لنا إلى ربِّنا، فيقول أنا صاحبكُم، فيحوشُ النَّاسَ حتَّى ينتهيَ إلى باب الجنَّة )) ، وفي رواية مُعتمر (( فيقول لهم أنا صاحبُها ) ).

(فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي) وفي رواية هشام (( فأنطلقُ حتَّى أستأذنَ على ربِّي ) )، زاد همام (( في داره فيُؤذن لي ) )، قال القاضي عياض أي في الشَّفاعة.

وتعقِّب بأنَّ ظاهر ما تقدَّم أنَّ استئذانه الأوَّل، والإذن له إنَّما هو في دخول الدَّار وهي الجنَّة، وأضيفتْ إلى الله إضافة تشريفٍ، ومنه {وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ} [يونس 25] على القول بأنَّ المراد بالسَّلام هنا الاسمُ الأعظم، وهو من أسماء الله تعالى.

قيل الحكمةُ في انتقال النَّبي صلى الله عليه وسلم من مكانهِ إلى دار السَّلام أنَّ أرضَ الموقف لمَّا كانت مقامَ عرضٍ وحسابٍ كانت مكان مخافةٍ وإشفاقٍ، ومقام الشَّافع أن يكون في مكان إكرامٍ، ومن ثمَّة يستحبُّ أن يتحرَّى الدَّاعي المكان الشَّريف؛ لأنَّ الدُّعاء فيه أقربُ إلى الإجابة.

وفي بعض طُرقه أنَّ من جملة سؤال أهلِ الموقف استفتاح باب الجنَّة، وقد ثبتَ في «صحيح مسلمٍ» أنَّه أوَّل من يستفتح باب الجنَّة. وفي رواية علي بن زيدٍ عن أنسٍ رضي الله عنه عند التِّرمذي (( فآخذ حلقة باب الجنَّة، فأستفتحها، فيقال من هذا؟ فأقول محمَّد، فيفتحون لي ويرحِّبون، فأخرُّ ساجدًا ) ).

وفي رواية ثابتٍ عن أنس رضي الله عنه عند مسلم (( فيقول الخازن من؟ فأقول محمَّد، فيقول بكَ أُمرتُ أن لا أفتحَ لأحدٍ قبلك ) )، وله من رواية المختار بن فلفل عن أنسٍ رضي الله عنه رفعه (( أنا أوَّل من يقرع باب الجنَّة ) ). وفي رواية قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه (( آتي باب الجنَّة فأستفتح، فيقال من هذا؟ فأقول محمَّد، فيقال مرحبًا بمحمَّد ) ). وفي حديث سلمان (( فيأخذ بحلقة الباب، وهي من ذهبٍ، فيقرع الباب، فيقال من هذا؟ فيقول محمَّد، فيفتح له حتَّى يقوم بين يدي الله تعالى فيستأذن فيؤذن له ) ). وفي حديث أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه (( فيأتي جبريل ربَّه، فيقول ائذن له ) ).

(فَإِذَا رَأَيْتُهُ

ج 27 ص 453

وَقَعْتُ سَاجِدًا) نُصِب على الحال، وفي رواية أبي بكرٍ رضي الله عنه (( فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربِّي ) )، وفي رواية لابن حبَّان من طريق ثابتٍ عن أنس رضي الله عنه (( فيتجلَّى له الرَّب ولا يتجلَّى لشيءٍ قبله ) ). وفي حديث أُبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه عند أبي يَعلى رفعه (( يعرضُ [2] الله نفسه فأسجدُ له سجدةً يرضى بها عنِّي، ثمَّ أمدحُه بمدحةٍ يرضى بها عنِّي ) ). وفي حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه (( فإذا رأيت ربِّي خررتُ له ساجدًا شاكرًا ) ).

(فَيَدَعُنِي) في السُّجود (مَا شَاءَ اللَّهُ) زاد مسلمٌ (( أن يدعني ) )، وكذا في رواية هشام، وسقطت الجلالة الشَّريفة في رواية أبي ذرٍّ. وفي رواية مَعبد بن هلال (( فأقوم بين يديه فيُلهمني محامد لا أقدر عليها الآن، فأحمدُه بتلك المحامد، ثمَّ أخرُّ له ساجدًا ) )، وفي حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه (( فينطلقُ إليه جبريل فأخرُّ ساجدًا قدرَ جمعة ) ).

(ثُمَّ يُقَالُ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي رواية مسلم (( فيقال يا محمَّد ) )وكذا في أكثر الرِّوايات، وفي رواية النَّضر بن أنس (( فأوحى الله إلى جبريل أن اذهب إلى محمَّد فقل له ) ) (ارْفَعْ رَأْسَكَ) فعلى هذا معنى قوله (( ثمَّ يقول لي ) )على لسان جبريل (سَلْ تُعْطَهْ) بغير واو ولا همز (وَقُلْ يُسْمَعْ) وسقط في أكثر الرِّوايات «وقل يسمع» (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) أي تُقبَل شفاعتك (فَأَرْفَعُ رَأْسِي) وفي حديث أبي بكرٍ رضي الله عنه (( فيرفع رأسه فإذا نظر إلى ربِّه خرَّ ساجدًا قدر جمعةٍ ) )، وفي حديث سلمان رضي الله عنه (( فينادي يا محمَّد ارفعْ رأسك، وسلْ تُعطه، واشفعْ تشفَّع، وادعُ تُجب ) ).

(فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي) وفي رواية هشام (( يعلمنيه ) )، وفي رواية ثابتٍ عند أحمد (( بمحامد لم يحمدْه بها أحدٌ قبلي ولا يحمدُه أحدٌ بعدي ) ). وفي حديث سلمان رضي الله عنه (( فيفتح الله له من الثَّناء والتَّحميد والتَّمجيد ما لم يفتح لأحدٍ من الخلائق ) )وكأنَّه صلى الله عليه وسلم يُلهم التَّحميد قبل سجوده وبعده، فيكون في كلِّ مكانٍ ما يليقُ به.

وقد ورد ما لعلَّه يفسِّر به بعض ذلك؛ ففي النَّسائي و «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» ، و «معجم الطَّبراني» من حديث حذيفة رضي الله عنه رفعه، قال (( يُجمع النَّاس في صعيدٍ واحدٍ فيقال يا محمَّد، فأقول لبَّيك

ج 27 ص 455

وسعديك، والخير في يديك، والمهديُّ من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، تباركت وتعاليت، سبحانك لا ملجأ ولا منجا منك إلَّا إليك، فذلك معنى قوله عزَّ وجلَّ {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء 79] )) ، قال ابن منده في كتاب «الإيمان» هذا حديثٌ مجمعٌ على صحَّة إسناده وثقة رواته.

(ثُمَّ أَشْفَعُ) في الإراحة من كرب الموقف، ثمَّ في الإخراج من النَّار بعد التَّحول من الموقف، والمرور على الصِّراط، وسقوط من يسقط حينئذٍ في النَّار، وفي رواية معبد بن هلال (( فأقول ربِّ أمَّتي أمَّتي أمَّتي ) )وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه نحوه.

(فَيَحُدُّ لِي) بفتح التحتية وضم الحاء المهملة؛ أي يبيِّن لي في كلِّ طورٍ من أطوار الشَّفاعة (حَدًّا) أقف عنده فلا أتعدَّاه مثل أن يقول شفَّعتك فيمن أخلَّ بالجماعة، ثمَّ فيمن أخلَّ بالصَّلاة، ثمَّ فيمن شرب الخمر، ثمَّ فيمن زنى، وعلى هذا الأسلوب، كذا حكاه الطِّيبي عن التُّوربشتي.

قال الحافظ العَسقلاني والَّذي يدلُّ عليه سياق الأخبار أنَّ المراد به تفصيل مراتب المُخرَجين في الأعمال الصَّالحة، كما تقدَّم عند أحمد عن يحيى القطَّان عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة في هذا الحديث بعينه. وكما تقدَّم من رواية هشام عن قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه في «كتاب الإيمان» [خ¦44] بلفظ (( يخرج من النَّار من قال لا إله إلَّا الله، وفي قلبه وزن شعيرةٍ ) ).

وفي رواية ثابت عند أحمد (( فأقول ربِّ أمَّتي أمَّتي، فيقول أَخْرجْ مَن كان في قلبه مثقال شعيرةٍ ) )ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّم، وقال (( فيقال برَّة، ثمَّ قال مثقال حبَّة من خردلٍ ) )ولم يذكر بقيَّة الحديث. ووقع في طريق النَّضر بن أنسٍ، قال (( تشفَّعت في أمَّتي أن أُخرِج من كلِّ تسعةٍ وتسعين إنسانًا واحدًا فما زلتُ أتردَّدُ على ربِّي لا أقوم منه مقامًا إلَّا انتفعت ) ). وفي حديث سلمان رضي الله عنه (( فيشفع في كلِّ من كان في قلبه مثقال حبَّة من حنطة، ثمَّ شعيرةٍ، ثمَّ حبَّة من خردل، فذلك

ج 27 ص 455

المقام المحمود )) .

(ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ) قال الدَّاودي كأنَّ راوي هذا الحديث ركَّب شيئًا على غير أصله، وذلك أنَّ في أوَّل الحديث ذكر الشَّفاعة في الإراحة من كرب الموقف، وفي آخره ذكر الشَّفاعة في الإخراج من النَّار؛ يعني وذلك إنَّما يكون بعد التَّحول من الموقف، والمرور على الصِّراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة، ثمَّ تقع بعد ذلك الشَّفاعة في الإخراج كما مرَّ، وهو إشكالٌ قويٌّ.

وقد أجاب عنه القاضي عياض وتبعه النَّووي وغيره بأنَّه قد وقع في حديث حذيفة المقرون بحديث أبي هريرة بعد قوله (( فيأتون محمدًا فيقوم ويُؤذَن له في الشَّفاعة، وتُرسَل الأمانة والرَّحم فيقومان جنبي الصِّراط يمينًا وشمالًا، فيمرُّ أولكم كالبرقِ ... ) )الحديث.

قال القاضي عِياض فبهذا يتَّصل الكلام؛ لأنَّ الشَّفاعة الَّتي لجأ النَّاس إليه فيها هي الإراحة من كربِ الموقف، ثمَّ تجيء الشَّفاعة في الإخراج.

وتعرَّض الطِّيبي للجواب عن الإشكال بطريقٍ آخر، فقال يجوز أن يرادَ بالنَّار الحبس والكرب والشِّدَّة الَّتي كان أهل الموقف فيها من دنو الشَّمس إلى رؤوسهم، وكربهم بحرِّها وسفعها حتَّى ألجمهم العرق، وأنَّ إيرادَ بالخروج منها خلاصُهم من تلك الحالة الَّتي كانوا عليها.

قال الحافظ العَسقلاني وهو احتمالٌ بعيدٌ، إلَّا إن يقال إنَّه يقعُ إخراجان، وقع ذكر أحدهما في حديث الباب على اختلاف طُرقه، والمراد به الخلاص من كرب الموقف.

والثَّاني في حديث الباب الَّذي يليه [خ¦6573] ، ويكون قوله فيه (( فيقول من كان يعبدُ شيئًا فليتبعه ) )بعد تمام الخلاص من الموقف ونصب الصِّراط والإذن في المرورِ عليه، ويقع الإخراج الثَّاني لمن سقط في النَّار حال الخرور فيتَّحدا.

وأجاب القرطبيُّ عن أصل الإشكال بأنَّ في قوله في آخر حديث أبي زُرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه بعد قوله صلى الله عليه وسلم (( فأقول يا ربِّ أمَّتي أمَّتي، فيقال أدخل من أمَّتك من الباب الأيمن من أبواب الجنَّة من لا حسابَ عليه ولا عذابَ ) )، فإنَّ في هذا ما يدلُّ على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يُردُّ فيما طلب من تعجيل

ج 27 ص 456

الحساب، فإنَّه لمَّا أُذن له في إدخال من لا حساب عليه دلَّ على تأخُّر من عليه حسابٌ ليُحاسب.

ووقع في حديث الصُّور الطَّويل عند أبي يَعلى (( فأقول يا ربِّ وعدتني بالشَّفاعة العظمى، فشفِّعني في أهل الجنَّة يدخلون الجنَّة، فيقول الله قد شفَّعتك فيهم، وأذنت لهم في دخول الجنَّة ) ).

قال الحافظ العَسقلاني وفيه إشعارٌ بأنَّ العرض والميزان وتطاير الصُّحف يقعُ في هذا الموطن، ثمَّ ينادي المنادي لتتبع كلُّ أمَّة من كانت تعبد فيسقط الكفَّار في النَّار، ثمَّ يُميَّز بين المؤمنين والمنافقين بالامتحان بالسُّجود عند كشف السَّاق، ثمَّ يُؤذَن في نصب الصِّراط والمرور فيطفئ نور المنافقين، فيسقطون في النَّار أيضًا، ويمرُّ المؤمنون عليه الجنَّة، فمن العصاة من يسقط، ويُوقَف [بعض] من نجا عنه عند القنطرة للمقاصَّة بينهم، ثمَّ يدخلون الجنَّة.

وقد قال بعض المبتدعة من المرجئة إنَّ أحدًا من الموحِّدين لا يدخل النَّار أصلًا، وإنَّما المراد بما جاء من أنَّ النَّار تسفعهم وتلفحهم، وما جاء في الإخراج من النَّار جميعه محمولٌ على ما يقعُ لهم من كربٍ في الموقف، وهذا باطلٌ.

وأقوى ما يُردَّ به عليهم ما تقدَّم في «الزَّكاة» [خ¦1402] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصَّة مانعي الزَّكاة واللفظ لمسلمٍ (( ما من صاحب إبلٍ لا يؤدِّي حقَّها منها إلَّا إذا كان يوم القيامة نطحَ لها بقاع قَرْقَرٍ أوفى ما كانت تطؤه بأخفافها، وتعضُّه بأفواهها في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، حتَّى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار ... ) )الحديث بطوله.

وفيه ذكر الذَّهب والفضَّة والبقر والغنم، وهو دالٌّ على تعذيب من شاء الله من العصاة بالنَّار حقيقةً زيادة على كرب الموقف. وورد في سبب إخراج بقيَّة الموحدين من النَّار ما يُروى (( أنَّ الكفَّار يقولون لهم ما أغنى عنكم قول لا إله إلا الله، وأنتم معنا، فيغضب الله لهم فيُخرجهم ) )وهو ممَّا يردُّ به على المبتدعة المذكورين، وسيجيء في الباب الَّذي يليه إن شاء الله تعالى [خ¦6573] .

(ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ) حال كوني(سَاجِدًا

ج 27 ص 457

مِثْلَهُ)أي مثل الأوَّل (فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) بالشَّكِّ من الرَّاوي (حَتَّى مَا بَقِيَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي ، وفي رواية هشام بعد الثَّالثة (( حتَّى أرجع فأقول ) ) (فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَكَانَ) بالواو، وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة (يَقُولُ عِنْدَ هَذَا) أي عند هذا القول، وهو مَنْ حبسه القرآن (أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ) أي من أخبر القرآن بأنَّه يخلد في النَّار بنحو قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء 48] .

وفي الحديث تفضيل محمَّد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلق؛ لأنَّ الرُّسل والأنبياء والملائكة أفضل ممَّن سواهم، وقد ظهرَ فضله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام عليهم.

قال القرطبيُّ ولو لم يكن في ذلك إلَّا الفرق بين من يقول «نفسي نفسي» ، وبين من يقول «أمَّتي أمَّتي» ؛ لكان كافيًا.

وفيه تفضيلُ الأنبياء المذكورين فيه على مَنْ لم يذكر فيه لتأهيلهم لذلك المقام العظيم دون من سواهم. وقد قيل إنَّما اختصَّ المذكورون بذلك لمزايا أخرى لا تتعلَّق بالتَّفضيل فآدم عليه السَّلام؛ لكونه والد الجميع، ونوح عليه السَّلام لكونه الأب الثَّاني، وإبراهيم عليه السَّلام للأمر باتِّباع ملَّته، وموسى عليه السَّلام لكونه أكثر الأنبياء تابعًا، وعيسى عليه السَّلام لكونه أولى النَّاس بنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الحديث الصَّحيح [خ¦3442] ، ويحتمل أن يكونوا اختصُّوا بذلك؛ لأنَّهم أصحاب شرائع عمل بها.

وفي الحديث من الفوائد

أنَّ من طلب من كبيرٍ أمرًا مهمًا ينبغي أن يقدِّم بين يدي سؤاله وصف المسؤول بأحسن صفاته، وأشرف مزاياه؛ ليكون ذلك أدعى لإجابة سؤاله. وفيه أنَّ المسؤول إذا لم يقدر على تحصيل ما سُئل يعتذر بما يُقبل منه.

وفيه أنَّ النَّاس يوم القيامة يستصحبون حالهم في الدُّنيا من التَّوسل إلى الله عزَّ وجلَّ في حوائجهم بأنبيائهم، والباعث على ذلك الإلهام، كما تقدَّم في صدر الحديث. وفيه أنَّه يستشيرُ بعضهم بعضًا، ويجمعون على ذلك الإلهام، والشَّيء المطلوب وأنَّه يغطِّي عليهم بعضَ ما علموه في الدُّنيا؛

ج 27 ص 458

لأنَّ في السَّائلين من سمع هذا الحديث ومع ذلك فلا يستحضر أحدٌ منهم أنَّ ذلك المقام المحمود يختصُّ به نبيُّنا صلى الله عليه وسلم، إذ لو استحضروا ذلك لسألوه من أوَّل وهلةٍ، ولمَاَ احتاجوا إلى التَّردد من نبيٍّ إلى نبيٍّ. ولعلَّ الله تعالى أنساهم ذلك؛ للحكمة الَّتي رتَّب عليها إظهار فضل نبيِّنا صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم تقديره.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( ثمَّ أخرجَهم من النَّار ) )، وقد سبقَ الحديث في أوَّل «سورة البقرة» [خ¦4476] .

[1] في هامش الأصل وقوله لسارة هي أختي رواه الإمام أحمد والبزار.

[2] في الفتح يُعرِّفني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت