فهرس الكتاب

الصفحة 9584 من 11127

6427 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، وقد وافقه في رواية هذا الحديث عن مالك بتمامه ابنُ وهب وإسحاق بن محمد وأبو قرَّة، وليس هو في «الموطأ» ، قاله الدَّارقطنيُّ في «الغرائب» (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيه العمريِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ، بضم الياء، من الإخراج (لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ) وفي رواية هلال بن أبي ميمونةَ عن عطاء بن يسارٍ

ج 27 ص 78

الماضيةِ في «كتاب الزَّكاة» في أوَّله (( أنَّه سمع أبا سعيدٍ الخدريَّ يحدِّث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس ذات يومٍ وجلسنا حوله، فقال إنَّ ممَّا أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم ) ) [خ¦1465] . وفي رواية السَّرخسي قيل قوله (( ما يُخرج الله لكم ) )لا يصلح خبرًا لـ «أكثر» . وأُجيب بأنَّ فيه إضمارًا تقديره ما أخاف بسببه عليكم أو ممَّا يخرج.

(قيلَ) يا رسول الله (وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ زَهْرَةُ الدُّنْيَا) بفتح الزاي وسكون الهاء، وزاد هلال (( وزِينتُها ) )وهو عطفٌ تفسيريٌّ، وقد قرأ يعقوب والحسن بفتح الهاء، فقيل هما بمعنىً واحدٍ، وقيل بالتَّحريك جمع زاهرٍ، كفاجر وفَجرة، والمراد بالزَّهرة الزِّينة والبَهجة، مأخوذةٌ من زَهرة الشَّجرة وهي نَورها _ بفتح النون _، والمراد ما فيها من أنواعِ المتاع والعين والنَّبات والزُّروع وغيرها ممَّا يغترُّ النَّاس بحسنه مع عدم بقائهِ.

(فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه (هَلْ يَأْتِي) وفي رواية هلالٍ (( ويأتي ) ) [خ¦1465] وهو بفتح الواو وهمزة الاستفهام المحذوفة والواو للعطف على مقدَّرٍ؛ أي أتصير النَّعمة عقوبةً ويأتي (الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) لأنَّ زهرة الدُّنيا نعمةٌ من الله فهل تعود هذه النِّعمة نقمةً؟ والاستفهام للإرشاد (فَصَمَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا) هكذا في رواية الكُشميهني، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي (أَنَّهُ) أي أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (يُنْزَلُ عَلَيْهِ) على البناء للمفعول؛ أي ينزل عليه الوحي، وكأنَّهم فهموا ذلك بالقرينة من الكيفيَّة الَّتي جرت عادته بها عندما يُوحى إليه (ثُمَّ جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ) أي العرق من ثقل الوحي، وفي رواية الدَّارقطنيِّ زيادة (( العرق ) )، وفي رواية هلال (( فمسح عنه الرُّحَضاء ) ) [خ¦1465] بضم الراء وفتح المهملة ثم المعجمة والمد، هو العرق، وقيل عرقُ الحمَّى، وأصل الرَّحْض _ بفتح ثم سكون _ الغسل، ولهذا فسَّره الخطابيُّ أنَّه عرقٌ يرحض الجلد لكثرتهِ، وكان من عادتهِ صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي كما تقدَّم في «بدء الوحي» (( وإنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا ) ) [خ¦2] .

(قَالَ) ويُروى أي صلى الله عليه وسلم (أَيْنَ السَّائِلُ؟ قالَ أَنَا) يا رسول الله (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (لَقَدْ حَمِدْنَاهُ) أي حمدنا الرَّجل (حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ) أي ظهر، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ، وفي رواية هلال (( وكأنَّه حمده ) ) [خ¦1465] .

ج 27 ص 79

وظاهره أنَّهم لاموه حيث رأوا سكوت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فظنُّوا أنَّه أغضبه، ثمَّ حمدوه لمَّا رأوا مسألته سببًا لاستفادة ما قاله النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. وأمَّا قوله (( وكأنَّه حمده ) )فأخذوهُ من قرينة الحالِ.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ يَأْتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ) زاد في رواية الدَّارقطنيِّ تكرار ذلك ثلاث مرَّاتٍ، وفي رواية هلال (( أنَّه لا يأتي الخير بالشَّرِّ ) )ويؤخذ منه أنَّ الرِّزق ولو كثر فهو من جملة الخير، وإنَّما يعرض له الشَّرُّ بعارض البخل عمَّن يستحقُّه، والإسراف في إنفاقهِ فيما لم يشرَّع، وأنَّ كلَّ شيءٍ قضى الله أن يكون خيرًا فلا يكون شرًّا وبالعكس، ولكن يخشى على مَن رُزق الخير أن يعرضَ له في تصرُّفه ما يجلب له الشَّرَّ.

ووقع في مرسل سعيد المقبُري عن سعيد بن منصورٍ (( أوخير هو؟ ) )ثلاث مرَّاتٍ، وهو استفهام إنكارٍ؛ أي إنَّ المال ليس خيرًا حقيقةً وإن سمِّي خيرًا لأنَّ الخير الحقيقي هو ما يعرضُ له من الإنفاق في الحقِّ، كما أنَّ الشَّر الحقيقي فيه ما يعرضُ له من الإمساك عن الحقِّ والإخراج في الباطل، وما ذكر في الحديث بعد ذلك من قوله (( إنَّ هذا المال خضرةٌ حلوةٌ ) )ضرب المثل بهذه الجملة.

(إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) وفي رواية الدَّارقطني (( ولكنَّ هذا المال خَضِرة ) )بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين والتاء فيه للمبالغة، أو هو صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ أي بقلةٌ خضرةٌ، ومعناه أنَّ صورة الدُّنيا حسنةٌ مونَّقة، والعرب تسمِّي كلَّ ما هو حسنٌ مونَّق ناضٌرًا أخضرُ.

وقوله (( حلوة ) )أي في الذَّوق، وقال ابن الأعرابيِّ قوله (( المال خضرةٌ حلوةٌ ) )ليس هو صفة المال وإنَّما هو للتَّشبيه كأنَّه قال المال كالبقلة الخضراء الحلوة، والتَّاء في قوله (( خضرةٌ حلوةٌ ) )باعتبار ما يشتملُ عليه المال من زهرة الدُّنيا، أو على معنى فائدة المال؛ أي أنَّ الحياة به أو المعيشة، أو المراد بالمال هنا الدُّنيا؛ لأنَّه من زينتها قال الله تعالى {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف 46] .

وفي حديث أبي سعيدٍ أيضًا المخرَّج في «السُّنن» (( الدُّنيا خضرةٌ حلوةٌ ) )فيتوافق الحديثان، وقد سبق كون التَّاء للمبالغة أو صفةً لموصوفٍ محذوفٍ.

(وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ) أي الجدول وهو النَّهر الصَّغير، وجَمْعُ الرَّبيع الأربعاء،

ج 27 ص 80

وإسناد الإنبات إليه مجازيٌّ فالمُنبت هو الله تعالى في الحقيقة، وفي رواية هلال (( وإن ممَّا ينبت ) )، وممَّا في قوله (( ممَّا ينبت ) )للتَّكثير، وليست «من» للتَّبعيض ليوافق رواية (( كلُّ ما أنبت ) )، وهذا الكلام كلُّه وقع كالمثل للدُّنيا.

(يَقْتُلُ حَبَطًا) بفتح الحاء المهملة والموحدة والطاء المهملة منونة، هو انتفاخُ البطن من كثرة الأكل، يقال حَبَطت الدَّابة تحبط حبطًا إذا أصابت مرعى طيِّبًا، وأمعنت في الأكل حتَّى تنتفخ فتموت، وروي بالخاء المعجمة، من التَّخبُّط وهو الاضطراب، والأولى هي المعتمد.

(أَوْ يُلِمُّ) بضم التحتية وكسر اللام وتشديد الميم؛ أي يقرُب من الهلاك، والمعنى يقتل أو يقارب القتل (إِلاَّ) بتشديد اللام على الاستثناء، ورُوي بفتح الهمزة وتخفيف اللام للاستفتاح، كأنَّه قال ألا انظروا أَكِلَة الخَضر واعتبروا شأنها.

(آكِلَةَ الْخَضِرَةِ) بالمد وكسر الكاف، والخَضِر _ بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين _، وفي رواية الأكثرين وهي ضربٌ من الكلأ يعجبُ الماشية، وقيل ما بين الشَّجر والبقل، وواحده خضرة، وفي رواية الكُشميهني بضم الخاء وسكون الضاد وزيادة الهاء في آخره. وفي رواية السرخسيِّ بفتح أوله وسكون الضاد وبالمد، ولغيرهم بضم أوله وفتح ثانيه جمع خضرة.

وفي «المصابيح» إنَّ الاستثناء منقطعٌ؛ أي لكن آكلة الخضر لا يقتلها آكل الخضر، ولم يلمَّ بقتلها، وإنَّما قلنا إنَّه منقطعٌ لفوات شرط الاتِّصال ضرورة كون الأوَّل غير شاملٍ له على تقدير عدم الثَّنيا، وذلك لأنَّ «من» فيه تبعيضيَّة، فكأنَّه يقول إنَّ شيئًا ممَّا ينبتُ يقتل حبطًا أو يلم، وهذا لا يشملُ مأكول آكلة الخضِر ظاهرًا؛ لأنَّه نكرةً في سياق الإثبات.

نعم، في هذا اللَّفظ الثَّابت في الطَّريق المذكورة هنا، وهو قوله (( إنَّ كلَّ ما أنبت يقتل حبطًا أو يلم ) )فيتأتَّى جعل الاستثناء متَّصلًا لدخولِ المستثنى في عموم المستثنى منه، وليس المستثنى في الحقيقة هو الآكلة نفسها وإلَّا كان منقطعًا، وإنَّما المستثنى محذوفٌ تقديره مأكول آكلة الخضرة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامَهُ، انتهى.

(أَكَلَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا) تثنية خاصرةٍ _ بخاء معجمة وصاد مهملة _،

ج 27 ص 81

وهما جانبا البطنِ من الحيوان؛ أي امتلأت شِبَعًا وعظُم جَنْباها، وفي رواية الكُشميهني بالإفراد (أَتَتْ) بمثناة؛ أي جاءت، وفي رواية هلال (( استقبلت ) ) (الشَّمْسَ، فَاجْتَرَّتْ) بالجيم الساكنة والتاء الفوقية المفتوحة والراء المشددة، استرجَعت ما أدخلته في كرشها من العَلف فأعادت تمضغه ثانيًا؛ ليزداد نعومةً وسهولةً لإخراجه، فالاجترار أن يجرَّ البعير من الكرشِ مأكله إلى فمه فتمضغه مرَّةً ثانيةً، وكلُّ لقمةٍ منه تسمَّى جِرَّةً، ويصير كلُّ واحدٍ بعرة.

(وَثَلَطَتْ) بمثلثة ولام مفتوحتين ثم طاء مهملة، وضبط ابن التِّين السَّفاقسي بكسر اللام؛ أي ألقت ما في بطنها من السَّرقين رقيقًا (وَبَالَتْ) فارتاحت بما ألقته من السَّرقين والبول، وسلمت من الهلاك، ثمَّ زاد الدارقطنيُّ.

(ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ) وكذا وقعت هنا في أكثر النُّسخ، والمعنى أنَّها إذا شبعت فثقُل عليها ما أكلت تحيَّلت في رفعه بأن تجترَّ فيزداد نعومةً، ثمَّ تستقبل الشَّمس فتُحمى بها فيسهل خروجُه، فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، وهذا بخلاف ما لم يتمكَّن من ذلك فإنَّ الانتفاخ يقتلها سريعًا.

قال الأزهريُّ هذا الحديث إذا فُرِّق لم يكد يظهر معناه، وفيه مثلان

أحدهما للمفرط في جمع الدُّنيا المانع من إخراجها في وجهها وهو ما تقدَّم؛ أي الَّذي يقتل حبطًا.

والثَّاني المقتصد في جمعها، وفي الانتفاع بها وهو آكلة الخضر، فإنَّ الخضرَ ليس من أحرار البقول الَّتي ينبتها الرَّبيع ولكنَّها الحبة، والحبَّة ما فوقَ البقل دون الشَّجر الَّتي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضربَ آكلة الخضراء من المواشي مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدُّنيا وجمعها، ولا يحمله الحرصُ على أخذها بغير حقِّها، ولا منعها من مستحقِّها فهو ينجو من وبالها، كما تنجو آكلةُ الخضر، وأكثر ما يحبطُ الماشية إذا انحبسَ رجيعها في بطنِها.

وقال الزَّين ابن المُنيِّر آكلةُ الخضر؛ أي بهيمة الأنعام الَّتي ألِف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها وما يعرض لها من الشَّبم [1] وغيره، والخضر النَّبات الأخضر، وقيل العشب الَّتي يستلذُّ الماشية أكله فتستكثر منه، وقيل هو

ج 27 ص 82

ما ينبت بعد إدراك العشبِ وهياجه، فإنَّ الماشية تقتطفُ منه شيئًا فشيئًا ولا يصيبها ألمٌ منه، وهذا الأخير فيه نظرٌ فإنَّ سياق الحديث يقتضِي وجود الحبطِ للجميع إلَّا لمن وقعت منه المداراة حتَّى يدفعَ عنه ما يضرُّه، وليس المراد أنَّ آكلة الخضر لا يحصل لها من أكله ضررٌ البتَّة، والمستثنى آكلة الخضر بالوصف المذكور لا كلُّ من اتَّصف بأنَّه آكلة الخضر، ولعلَّ قائله وقعت له روايةٌ فيها «يقتل» أو «يلم» إلَّا آكلة الخضر، ولم يذكر ما بعده فشرحه على ظاهر هذا الاختصار.

(وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ) في الرَّغبة والميل إليه، وحرص النُّفوس عليه كالفاكهة خضرة في المنظر (حُلْوَةٌ) في الذَّوق (مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ بِحَقِّهِ) وفي نسخةٍ بأن أخرج منه حقَّه الواجب شرعًا كالزَّكاة (فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ) أي المال، وفي رواية هلال (( فنعمَ صاحب المال هو ) ) [خ¦1465] أي نعم المال هو لصاحبه على اكتساب الثَّواب إن عمل فيه بالحقِّ.

وقال صاحب «المُغرِب» المعونة العَون أشار إلى أنَّه مصدرٌ ميمي، ثمَّ هو كالتَّذييل للكلام المتقدِّم، وفيه إشارةٌ إلى عكسه، وهو بئس الرَّفيق هو لمن عمل فيه بغير حقِّه.

(كَانَ كَالَّذِي) وفي «اليونينيَّة» حذف الكاف من قوله (يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ) أي كذِي الجوع الكاذب، ويسمَّى جوع الكَلَب، كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا، وكان مآله إلى الهلاك، وفي روايةِ هلالٍ زاد (( ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة ) ) [خ¦1465] .

يحتمل أن يشهدَ عليه حقيقةً بأن ينطِقه الله تعالى، ويجوز أن يكون مجازًا، والمراد شهادة الملك الموكَّل به، ويؤخذ من الحديث التَّمثيل لثلاثة أصنافٍ؛ لأنَّ الماشية إذا رعت الخضر للتَّغذية إمَّا أن تقتصرَ منه على الكفاية وإمَّا أن تستكثر، فالأوَّل الزُّهَّاد. والثَّاني إمَّا أن يحتالَ على إخراج ما لو بقي لضرَّ، فإذا أخرجه زال الضُّرر واستمرَّ النَّفع، وإمَّا أن يمهل ذلك، فالأوَّل العاملون في جمع الدُّنيا بما يجب من إمساكٍ وبذلٍ، والثَّاني العاملون في ذلك بخلاف ذلك.

وقال الطِّيبيُّ يؤخذ منه

ج 27 ص 83

أربعة أصنافٍ فمن أَكْلَ منه أَكْلَ مستلذٍّ مفرطٍ منهمكٍ حتَّى تنتفخَ أضلاعه ولا يُقلع فيُسرع إليه الهلاك، ومن أكلَ كذلك لكنَّه أخذ في الاحتيال لدفع الدَّاء قبل أن استَحْكَم، ومن أخذ فيه بعد أن استحكمَ فغلبهُ وأهلكه، ومن أكل غير مفرطٍ ولا منهمكٍ، وإنَّما اقتصر على ما يسدُّ جوعتَه ويمسك رمقه.

فالأوَّل مثال الكافر.

والثَّاني مثال المخلِّط المبادر للتَّوبة حيث تكون مقبولةً.

والثَّالث مثال العاصي الغافل عن الإقلاعِ والتَّوبة إلَّا عند فوتها.

والرَّابع مثال الزَّاهد في الدُّنيا الرَّاغب في الآخرة، وبعضها لم يصرِّح به في الحديث، وأخذه منه محتملٌ.

قال ابنُ المُنيِّر في هذا الحديث وجوهٌ من التَّشبيهات بديعةٌ

أوَّلها تشبيه المال ونموَّه بالنَّبات وظهوره.

وثانيها تشبيه المُنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائمِ المنهمكة في الأعشاب.

وثالثها تشبيه الاستكثار منه والادِّخار له بالشَّرِه في الأكل والامتلاء منه.

ورابعها تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النُّفوس حتَّى أدَّى إلى المبالغة في البخل بما تطرحه البهيمة من السَّلخ ففيه إشارةٌ بديعةٌ إلى استقذاره شرعًا.

وخامسها تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمِّه بالشَّاة إذا استراحت وحطَّت جانبها مستقبلةً عين الشَّمس، فإنَّها من أحسنِ حالاتها سكونًا وسكينةً، وفيه إشارةٌ إلى إدراكهَا لمصالحها.

وسادسها تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمةِ الغافلةِ عن دفع ما يضرُّها.

وسابعها تشبيه المال بالصَّاحب الَّذي لا يؤمَن أن ينقلب عدوًا، فإنَّ المال من شأنه أن يحرزَ ويشدَّ وثاقه حباله، وذلك يقتضي منعه من مستحقِّه فيكون سببًا لعقابِ مقتنيه.

وثامنها تشبيه أخذه بغير حقٍّ بالَّذي يأكلُ ولا يشبع.

وقال الغزاليُّ مثل المال مثل الحيَّة الَّتي فيها ترياقٌ نافعٌ وسُمٌّ ناقع، فإن أصابها العارف الَّذي يحترز عن شرِّها ويعرف استخراج ترياقها كان نعمةً، وإن أصابها الغبيُّ فقد لقي البلاء المُهلك.

ج 27 ص 84

وفي الحديث جلوسُ الإمام على المنبرِ عند الموعظة في غير خطبة الجمعة ونحوها، وفيه جلوس الإمامِ على المنبر وجلوس النَّاس حوله، وفيه التَّحذير من المنافسة في الدُّنيا، وفيه استفهام العالم بما يُشكل وطلب الدَّليل لدفع المعارضة، وفيه تسمية المال خيرًا، ويؤيِّده قوله تعالى {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات 8] ، وقوله تعالى {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة 180] .

وفيه ضرب المثل بالحكمة، وإن وقعَ في اللَّفظ ذكر ما يستهجنُ كالبول، فإنَّ ذلك يفتقر لما ترتَّب على ذكره من المعاني اللَّائقة بالمقام، وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عمَّا يسأل عنه، وهذا على ما ظنَّه الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم، ويجوز أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة الوجيزة المفهمة.

وقد عدَّ ابنُ دريد هذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ ممَّا ينبت الرَّبيع حبطًا ) )، أو يلم من الكلام المفرد الوجيز الَّذي لم يُسبَق صلى الله عليه وسلم إلى معناه، وكلُّ من وقع منه شيءٌ في كلامه فإنَّما أخذه منه.

ويستفادُ منه ترك العجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التَّأمُّل، وفيه لوم من ظنَّ به تعنَّت في السُّؤال وحمد من أجاد فيه، قيل وفيه تفضيل الغنيِّ على الفقير ولا حجَّة فيه؛ لأنَّه يمكن التَّمسُّك به لمن يرجِّح أحدهما على الآخر.

والعجب فيه أنَّ النَّووي قال فيه حجَّةٌ لمن رجَّح الغنى على الفقر، وكان قبل ذلك شرح قوله (( لا يأتي الخير بالخير ) )على أنَّ المراد أنَّ الخير الحقيقيَّ لا يأتي إلَّا بالخير، لكن هذه الزَّهرة ليست خيرًا حقيقيًّا لِما فيها من الفتنة والمنافسة والاشتغال عن كمالِ الإقبال على الآخرة.

قال الحافظ العسقلانيُّ فعلى هذا يكون حجَّةً لمن يفضِّل الفقر على الغنى، والتَّحقيق أن لا حجَّة فيه لأحد القولين، وفيه الحضُّ على إعطاء المسكين واليتيم وابن السَّبيل، وفيه أنَّ المكتسب للمال من غير حلِّه لا يبارك له فيه لتشبيهه بالَّذي يأكل ولا يشبع، وفيه ذمُّ الإسراف وكَثرة الأكل والنَّهم فيه، وأنَّ اكتساب المال من غير حلِّه، وكذا إمساكه عن إخراج الحقِّ منه سببٌ لمحقه فيصير غير مباركٍ فيه كما قال تعالى

ج 27 ص 85

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة 276] .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( زهرة الدُّنيا ) )، وقد سبق الحديث في «كتاب الزَّكاة» ، في باب «الصَّدقة على اليتامى» [خ¦1465] .

[1] في هامش الأصل الشبم بالتحريك البرد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت