401 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) أي ابن أبي شيبة (قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقد تقدَّم ذكرهم في باب من جعل لأهل العلم أيامًا [خ¦70] .
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن يزيد النخعي، وقيل هو ابن سويد لا ابن يزيد، وفيه نظر (عَنْ عَلْقَمَةَ) هو ابن قيس النخعي (قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن مسعود رضي الله عنه، وقد سبق ذكرهم في باب ظلم دون ظلم [خ¦32] . ورجال هذا الإسناد كلُّهم كوفيون، وأئمة أجلاء، وهذا الإسناد من أصح الأسانيد. وقد أخرج متنه
ج 3 ص 166
المؤلِّف في النذور أيضًا [خ¦6671] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه أيضًا.
(صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الظهر أو العصر. وروى الطبراني من حديث طلحة بن مصرف، عن إبراهيم به، أنها العصر، فنقص في الرابعة، ولم يجلس حتى صلى الخامسة.
ومن حديث شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، أنَّها الظهر، وأنَّه صلاها خمسًا.
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعي (لاَ أَدْرِي زَادَ) النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية بالهمزة (أَوْ نَقَصَ) من النقص المتعدي، لا من النقصان اللازم، وهو مدرج من منصور، والمقصود أنَّ إبراهيم شك في سبب سجود السهو المذكور، هل كان لأجل الزيادة أو النقصان، والصحيح كما قال الحميدي أنه زاد، ويؤيده ما في الباب الذي بعده [خ¦404] ، من رواية الحكم عن إبراهيم بإسناده هذا أنَّه صلى خمسًا، بل هو يقتضي الجزم بالزيادة، فلعلَّه شك لما حدَّث منصورًا، وتيقَّن لما حدث الحكم.
وقد تابع الحكمَ على ذلك حمادُ بن أبي سليمان، وعيَّن في رواية الحكم وحماد أيضًا أنَّها الظهر، وهو الأصح؛ لأنَّ ما في الصحيح أصح.
(فَلَمَّا سَلَّمَ، قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَدَثَ) بهمزة الاستفهام وفتح المهملتين والمثلثة، وأمَّا حَدُث _ بضم الدال _، فلا يستعمل في شيء من الكلام، إلا في قولهم أخذني ما قَدُم وما حَدُث، للازدواج؛ أي أَوَقع.
(فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ) من الوحي يوجب تغير حكم الصلاة؟ عما عهدوه بالزيادة والنقصان (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَا ذَاكَ) ؟ سؤال من لم يشعر بما وقع منه ولم يتبين عنده، ولا غلبه ظن، وهو خلاف ما عندهم حيث (قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا) كناية عما وقع، إمَّا زائدة على المعهود، أو ناقصة منه (فَثَنَى) بتخفيف النون؛ أي عطف.
(رِجْلَهُ) وفي رواية بالتثنية، والمعنى فجلس كما هو هيئة القعود للتشهد (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) قال الكرماني فإن قلت قوله (( وسجد سجدتين ) )دليلٌ على أنَّه لم ينقص شيء من الركعات، ولا من السجدات وإلا لتداركها، فكيف صحَّ أن يقول إبراهيم لا أدري، بل تعيَّن أنَّه زاد؛ إذ النقصان لا ينجبر بالسجدتين، بل لابدَّ من الإتيان بالمتروك أيضًا.
قلت كل نقصان لا يستلزم الإتيان به، بل كثير منه ينجبر بمجرد السجدتين، ولفظ (( نقص ) )لا يوجب النقص في الركعة ونحوها. انتهى.
وقال محمود العيني قد ذكر عن الحميدي أنَّ الصحيح أنَّه زاد، وكانت زيادته أنَّه صلى الظهر خمسًا فحينئذٍ كان سجوده لتأخير السلام، ولزيادته من جنس الصلاة.
وقوله إذ النقصان لا ينجبر بالسجدتين، غير مسلَّم؛ لأنَّ النقصان إذا كان في الواجبات،
ج 3 ص 167
أو في تأخيرها عن محلها، أو في تأخير ركن من الأركان ينجبر بالسجدتين، وقوله لا بدَّ من الإتيان بالمتروك، إنما يستقيم إذا كان المتروك ركنًا، وأما إذا كان من الواجبات، أو من السنن التي في قوة الواجب، فلا يلزمه الإتيان بمثله، وإنما ينجبر بالسجدتين.
ثم قال الكرماني فإن قلت كيف رجع إلى الصلاة بانيًا عليها، وقد تكلم بقوله (( وما ذاك؟ ) ).
قلت إنَّه كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، أو أنَّه كان خطابًا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوابًا، وذلك لا يبطل الصلاة، أو كان قليلًا، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حكم الساهي أو الناسي؛ لأنَّه كان يظن أنَّه ليس فيها.
وقال محمود العيني مذهب إمامه أنَّ الكلام في الصلاة إذا كان ناسيًا أو ساهيًا لا يبطلها، فلا فائدة حينئذٍ في قوله إنه كان قبل التحريم.
والجواب الثاني لا يتمشَّى بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والجواب الثالث غير موجه، لأنَّ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( وما ذاك؟ ) )غير قليل، على ما لا يخفى. انتهى، فليتأمل.
ثم قال الكرماني فإن قيل كيف رجع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى قول غيره ولا يجوز للمصلي الرجوع في حال صلاته إلا على علمه ويقين نفسه؟.
فجوابه أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألهم ليتذكر فلما ذكروه تذكر فعلم السهوَ، فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قول الغير، أو أن قول السائل أحدث شكًا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسجد بسبب حصول الشك له، فلا يكون رجوعًا إلا إلى حال نفسه.
وقال محمود العيني هذا كلام فيه تناقض؛ لأنَّ قوله سألهم إلى قوله فبنى عليه، رجوع إلى الغير بلا نزاع.
وقوله لا أنَّه رجع إلى مجرد قول الغير يناقضُ؛ ذلك، وقوله فسجد بسبب حصول الشك له غيرُ مسلم؛ لأنَّ سجوده إنَّما كان للزيادة لا للشك الحاصل من كلامهم؛ لأنَّه لو شك لكان مترددًا، أو مقتضى الشك التردد، فحين سمع قولهم صليت كذا وكذا، ثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين؛ أي وذلك يقتضي الجزم لا التردد. هذا؛ وفيه تأمل أيضًا [1] .
(فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) الكريم (قَالَ إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ) أي لأخبرتكم بالحدوث، يدل عليه قوله لو حدث، وهو من باب نبَّأ _ بتشديد الباء _، وهو ينصب ثلاثة مفاعيل، وكذلك أنبأ من الأفعال، والثلاثي نَبَأ والمصدر نبأً، ومفعوله الأول الضمير المنصوب المتصل، والثاني الجار والمجرور، والثالث محذوف، واللام فيه جواب لو، ويفيد التأكيد أيضًا.
(وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) والحصر بالنسبة
ج 3 ص 168
إلى الاطلاع على بواطن المخاطبين، وبالنسبة إلى طريان النسيان، لا بالنسبة إلى كل شيء، فإنَّ للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصافًا أخر كثيرة يختص بها عن سائر البشر.
(أَنْسَى) بهمزة مفتوحة وسين مخففة (كَمَا تَنْسَوْنَ) وقال الزركشي ومن قيَّده _ بضم أوله وتشديد ثالثه _، فلم يناسب التشبيه.
والنسيان في اللغة خلاف الذكر والحفظ، وفي الاصطلاح غفلة القلب عن الشيء، وهما متقاربان، وقد يجيء بمعنى الترك، كما في قوله تعالى {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة 67] ، {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة 237] .
(فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) أي في الصلاة بالتسبيح ونحوه (وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ) والشك في اللغة خلاف اليقين.
قال صاحب (( الصحاح ) )الشك خلاف اليقين، وهو المراد هاهنا؛ لقوله (( فليتحر الصواب ) )وفي الاصطلاح استواء العلم والجهل بالشيء؛ أي الوقوف بين الشيئين، بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما فإذا قوي أحدهما، وترجَّح على الآخر، ولم يأخذ بما رجح ولم يطرح الآخر، فهو الظن، فإذا عقد القلب على أحدهما، وترك الآخر فهو أكبر الظن وغالب الرأي، فيكون الظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان، ويقابله الوهم.
(فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ) التحري القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول، وفي رواية لمسلم (( فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب ) )، وفي رواية .
ويعلم من هذا أنَّ التحريَ طلبُ أحد الأمرين، وأولاهما بالصواب، فلا يرد ما قاله الكرماني الصواب غير معلوم، وإلَّا لما كان ثمة شك، فكيف يتحرى الصواب، ولا يحتاج إلى أن يجاب عنه بأن المراد منه المتحقق المتيقن، أي الأقل المتيقن، على أنَّه بناءٌ على مذهب إمامه؛ فإنَّه فسر الصواب بالأخذ باليقين.
وأمَّا عند إمامنا الأعظم فالمراد منه البناء على غالب الظن، ولا يلزم الاقتصار على الأخذ بالأقل.
فإن قيل التحري في حديث الباب محمول على الأخذ بالأقل، الذي هو المتيقن بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي عند مسلم، قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا شكَّ أحدُكم في صلاتهِ فلم يدرِ كم صلى، ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك، وليبنِ على اليقين ) ).
فالجواب أنَّه محمول على ما إذا تحرَّىَ، ولم يقع تحريه على شيء، فحينئذٍ يقول أنَّه يبني على الأقل، ولا يخالف هذا.
فإن قيل المصير إلى التحري لضرورة، ولا ضرورة هاهنا؛ لأنَّه يمكنه إدراك اليقين بدونه، بأن يبنيَ على الأقل، فلا حاجة إلى التحري.
فالجواب أنَّه قد يتعذَّر عليه الوصول إلى ما اشتبه عليه بدليل من الدلائل، والتحري عند
ج 3 ص 169
عدم الأدلة مشروع، كما في أمر القبلة. فافهم.
(فَلْيُتِمَّ) الصلاة بانيًا (عَلَيْهِ) أي على الصواب، ولولا تضمين الإتمام معنى البناء لما جاز استعماله بكلمة على، وقد عرفت أنَّ المراد هو البناء على غالب الظن عند أبي حنيفة رحمه الله، وعلى الأقل المتيقن عند الشافعي رحمه الله.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَسْجدُ سَجْدَتَيْنِ) لا واحدة كالتلاوة. وقال الكرماني فإن قلت آخر الحديث يدل على أنَّ سجود السهو بعد السلام، وأوله على عكسه.
قلت مذهب الشافعي أنَّه يسن قبل السلام، ويؤول آخر الحديث بأنَّه قول، والأول فعل، والفعل مقدم على القول؛ لأنَّه أدل على المقصود، أو أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بأن يسجد بعد السلام بيانًا للجواز، وفعل نفسه قبل السلام؛ لأنَّه أفضل. انتهى.
وقال محمود العيني لا نسلم أنَّ الفعل مقدم على القول؛ لأنَّ مطلق القول يدل على الوجوب، على أنَّا نقول يحتمل أن يكون سلم قبل أن يسجد سجدتين، ثم سلم سلام سجود السهو، فالراوي اختصره وفيه مضاعفة الأجر من سلام الصلاة، ومن سلام سجود السهو، وأنَّه شرع جبرًا للنقص أو الزيادة، وهي أيضًا نقص كالإصبع الزائدة، والجبر لا يكون إلا بعد إتمام المجبور، وما بقي عليه سلام الصلاة، فهو في الصلاة.
ثم قال الكرماني فإن قلت لمَ عدل عن لفظ الأمر إلى الخبر، وغيَّر الأسلوب؛ أي في السلام والسجود؟
قلت لعلَّ السلام والسجود كانا ثابتين يومئذ، ولهذا أخبر عنهما بخلاف التحري والإتمام؛ فإنَّهما ثبتا بهذا الأمر، أو للإشعار بأنَّهما ليسا بواجبين، كالتحري والإتمام. انتهى.
وقال محمود العيني إنَّ الفصاحة في التفنن في أساليب الكلام، والنبي أفصح الناس لا يجارى في فصاحته، وقوله أو للإشعار بأنَّهما ليسا بواجبين غيرُ مسلَّم، بل هما واجبان، لمقتضى الأمر المطلق، وهو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعدما سلم ) ). والصحيح من المذهب هو الوجوب، ذكره في (( المحيط ) )و (( المبسوط ) )و (( الذخيرة ) )و (( البدائع ) )، وبه قال مالك وأحمد. وعند الكرخي من أصحابنا أنَّه سنة، وهو قول الشافعي.
ثم قال الكرماني فإن قلت السجدة مسلَّم أنَّها ليست بواجبة، لكن السلام واجب.
قلت
ج 3 ص 170
وجوبه بوصف كونه قبل السجدتين ممنوع، وأمَّا نفس وجوبه فمعلوم من موضع آخر.
وقال محمود العيني قوله مسلَّم، غيرُ مسلَّم لما ذكرنا الآن، وقوله «ممنوع» ممنوع؛ لأنَّ محل السلام الذي هو للصلاة في آخرها متصلًا بها، فوجب بهذا الوصف، ولا يمتنع أن يكون شيء واجبًا من جهتين. انتهى، فتدبر.
ثم هذا السؤال إنما يرد على رواية الإخبار في الفعلين المذكورين، وأمَّا على رواية (( ثم ليسلمْ، ثم يسجدْ ) )وكذا على جواز الجزم فيهما، بدون اللام عطفًا على لفظ الأمر، وإن لم تثبت رواية [2] ، فلا يَرِدُ ولا يحتاج إلى الجواب، والله أعلم بالصواب.
ومن فوائد هذا الحديث جواز النسخ، وجواز توقع الصحابة ذلك، كما دلَّ عليه استفهامهم، حيث قيل له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أَحَدَثَ في الصلاةِ شيءٌ؟ ) ).
ومنها جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم السلام في الأفعال.
وقال ابن دقيق العيد وهو قول عامة العلماء والنظَّار، وشذَّت طائفة، فقالوا لا يجوز على النبي السهو، وهذا الحديث يرد عليهم. انتهى.
وقال محمود العيني هم منعوا السهو عليه في الأفعال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك بأنَّ السهو لا يناقض النبوَّة، وإذا لم يقرَّ عليه، لم يحصل منه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة؛ وهو بيان أحكام الناسي، وتقرير الأحكام، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرائني.
وقال القاضي عياض واختلفوا في جواز السهو عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع، من أفعاله وعاداته وادِّكار قلبه، فجوَّزه الجمهور.
وأمَّا السهو في الأقوال البلاغية فأجمعوا على منعه، كما أجمعوا على امتناع تعمُّده.
وأمَّا السهو في الأقوال الدنيوية وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام، ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها، ولا يضاف إلى وحي فجوَّزه قوم؛ إذ لا مفسدة فيه.
قال القاضي عياض والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء عليهم السلام في كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خُلف في خبر لا عمدًا ولا سهوًا، لا في صحة ولا في مرض، ولا في رضىً ولا غضب، وأمَّا جواز السهو في الاعتقاديات في أمور الدنيا فغير ممتنع.
ومنها جواز النسيان في الأفعال على الأنبياء عليهم السلام، واتفقوا على أنهم لا يُقَرَّون عليه، بل يُعْلِمُهم الله به.
وقال الأكثرون شرطه تنبيهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على القول متصلًا بالحادثة، وجوَّزت طائفة
ج 3 ص 171
تأخيره.
فإن قيل ما الفرق بين السهو والنسيان؟.
فالجواب أنَّه قيل النسيان غفلة القلب عن الشيء، والسهو غفلة الشيء عن القلب. ففي هذا قال قوم كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسهو ولا ينسى؛ فلذلك نفى عن نفسه النسيان، في حديث ذي اليدين، بقوله (( كل ذلك لم يكن ) )، وفي رواية أخرى (( لم أنسَ، ولم تقصر [خ¦482] ) ).
وقال القشيري يبعد الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنَّه يتلوَّح من اللفظ على النسيان عدمُ الذكر للشيء لأجل الإعراض عنه، وعلى السهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض عنه.
وقال القرطبي لا نسلِّم الفرق بينهما، ولئن سُلِّم فقد أضاف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النسيان إلى نفسه بقوله (( إنَّما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ) ) [خ¦401] .
وقال القاضي إنَّما أنكر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نسيت» المضاف إليه، وقد نهى عنه بقوله (( بئسما لأحدكم أن يقول نسيت كذا، ولكنه نُسِّيَ ) ).
وقد قال أيضًا (( لا أنسى ) )على النفي (( ولكن أُنَسَّى ) )، وقد شك بعض الرواة في روايته فقال (( أَنْسَى أو أُنَسَّى ) )، وإن «أو» للشك، أو للتقسيم، وإنَّ هذا يكون منه مرةً من قبل شغله، ومرةً يغلب ويجبر عليه، فلمَّا سأله السائل بذلك في حديث ذي اليدين، أنكره وقال (( كل ذلك لم يكن ) )، وفي الرواية الأخرى (( لم أنسَ، ولم تقصر ) ) [خ¦482] ، أمَّا القصر فبيِّن، وأمَّا النسيان فمعناه لم أنسَ حقيقة من قبل نفسي، ولكن الله أنساني هذا.
ومنها أنَّ بعضهم احتج به على أنَّ كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وقال أبو عمر ذهب الشافعي وأصحابه إلى أنَّ الكلام والسلام ساهيًا في الصلاة لا يبطلها، كقول مالك وأصحابه سواء، وإنَّما الخلاف بينهما أنَّ مالكًا يقول لا يفسد الصلاة تعمُّد الكلام فيها، إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم، إلا ما روي عنه في المنفرد، وهو قول أحمد.
ذكر الأثرم عنه أنَّه قال ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها، لم يفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك، فسدت عليه.
وذكر الخرقي عنه أنَّ مذهبه فيمن تكلم عامدًا أو ساهيًا بطلت صلاته، إلَّا الإمام خاصة، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته.
وقال الشافعي وأصحابه، ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم إنَّ من تعمَّد الكلام وهو يعلم أنَّه لم يتم الصلاة وأنَّه فيها، أفسد صلاته، فإن تكلم ناسيًا، أو تكلم وهو يظن أنَّه ليس في الصلاة لا تبطل.
وأجمعوا أنَّ الكلام عامدًا،
ج 3 ص 172
إذا كان المصلي يعلم أنَّه في الصلاة، ولم يكن ذلك لإصلاح صلاته، أنَّه يفسد الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنَّه من تكلم لإحياء نفس، مثل أن يخشى على ضرير أو صبي الوقوع في هلكة، أو يرى حية ونحوها يقصد غافلًا أو نائمًا، أو مثل ذلك، مثل أن يرى نارًا يخاف أن تشتعل في شيء، فلا يمكنه التنبيه بالتسبيح، لم يفسد بذلك صلاته. قيل وهو قول ضعيف في النظر والمعنى.
هذا؛ ومذهب أصحابنا الحنفية في ذلك أنَّه لا يجوز الكلام في الصلاة إلا بالتكبير والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن، ولا يجوز أن يتكلم فيها لأجل شيء حدث من الإمام في الصلاة، وأنَّ الكلام يبطل الصلاة سواء كان عامدًا أو ساهيًا أو جاهلًا، وسواء كان إمامًا أو منفردًا، وهو مذهب إبراهيم النخعي، وقتادة بن أبي سليمان وعبد الله بن وهب وابن نافع من أصحاب مالك، واحتجوا في ذلك بحديث معاوية بن الحكم السلمي، أخرجه مسلم مطولًا، وفيه (( إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنَّما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ) ). وأخرجه أبو داود والنسائي أيضًا.
وهذا نص صريح على تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان عامدًا أو ساهيًا، لحاجة أو غيرها، لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه إمام ونحوه سبَّح إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت امرأة.
وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من نابه شيء في الصلاة، فليقل سبحان الله، فإنَّما التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال ) ). رواه سهل بن سعد، أخرجه الطحاوي عنه، وأخرجه البخاري مطولًا، ولفظه (( أيَّها الناس مالكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق، إنَّما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته، فليقل سبحان الله، فإنَّه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت ) ). [خ¦1234] وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله من نابه أي نزل به شيء من الأمور المهمة.
والمراد من التصفيق ضرب ظاهر إحدى يديه على باطن الأخرى، وقيل بإصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى، للإيذان والتنبيه.
وقال الطحاوي دلَّ هذا الحديث على أنَّ كلام ذي اليدين لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما كلمه به في حديث عمران وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم كان قبل تحريم الكلام
ج 3 ص 173
في الصلاة.
ومنها أنَّ سجود السهو سجدتان، وعليه عامة الفقهاء. ومنها أن سجدتي السهو بعد السلام، وهو حجة على الشافعي، ومن تبعه في أنهما قبل السلام.
وفي (( المغني ) )السجود كلُّه عند أحمد قبل السلام، إلَّا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودها بعد السلام، وهما إذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد له قبل السلام، نص على هذا في رواية الأثرم، وبه قال سليمان بن داود وأبو خيثمة وابن المنذر.
وحكى أبو الخطاب عن أحمد روايتين أخراوين إحداهما أنَّ السجود كله قبل السلام. والثانية أنَّها قبل السلام إن كانت لنقص، وبعد السلام إن كانت لزيادة، وهذا مذهب مالك وأبي ثور.
وبما قالَ أصحابنُا الحنفيةُ قالَ إبراهيمُ النخعي وابن أبي ليلى والحسن البصري وسفيان الثوري، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعمار بن ياسر وعبد الله بن الزبير وأنس بن مالك رضي الله عنهم.
فإن قيل لو سجد للسهو قبل السلام، كيف يكون حكمه عند الحنفية؟
فالجواب أنَّه قال القدوري لو سجد للسهو قبل السلام جاز عندنا، هذا في رواية الأصول، وروي عنهم أنَّه لا يجوز؛ لأنه أداه قبل وقته.
وفي (( الهداية ) )وهذا الخلاف في الأولوية، وكذا قال الماوردي في (( الحاوي ) )، وابن عبد البر وغيرهم.
ومنها جواز رجوع الإمام إلى المأمومين.
وفيه إشكال على مذهب الشافعي؛ لأنَّ عندهم لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره، إمامًا كان أو مأمومًا، ولا يعمل إلَّا على يقين نفسه.
واعتذر النووي عن هذا بأنَّه _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ سألهم ليتذكر، فلمَّا ذكروه تذكر، فعلم السهو فبنى عليه، لا أنَّه رجع إلى مجرَّد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره، لرجع ذو اليدين حين قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لم تقصرْ، ولم أنسَ ) ).
وتعقبه محمود العيني بأنَّ هذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه لا يخلو عن الرجوع، إمَّا للتذكر أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول، لا لأجل يقين نفسه. فافهم.
وقال ابن القصار اختلفت الرواة
ج 3 ص 174
في هذا عن مالك، فمرة قال يرجع إلى قولهم، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّه قال يبني على غالب ظنه، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل، ومرة أخرى قال يعمل على يقينه، ولا يرجع إلى قولهم.
ومنها أنَّ البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لو حدث في الصلاة شيء لنبَّأتكم به ) ).
ومنها أنَّ فيه حجةً لأبي حنيفة رحمه الله على أنَّ من شك في عدد ركعاته تحرَّى، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فليتحرَّ الصواب ) )، وبنى على غالب ظنه، إن لم يكن أول ما عرض له، وإلا استأنف الصلاة، وهو حجة على الشافعي، ومن تبعه في قولهم فيمن شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا مثلًا لزمه البناء على الأنقص، وهو الأقل، فيأتي بما بقي، ويسجد للسهو، وقد تقدم تحقيقه آنفًا.
ومنها أنَّ سجود السهو يتداخل ولا يتعدد بتعدَّد أسبابه؛ فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلم بعد أن سها، واكتفى فيه بسجدتين، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء، ومنهم من قال يتعدد السجود بتعدد السهو.
ومنها أنَّ سجود السهو في آخر الصلاة، لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يفعله إلا كذلك.
وقيل في حكمته أنَّه أُخِّر لاحتمال سهو آخر، فيكون جابرًا للكل.
وفرَّع الفقهاء عليه أنَّه لو سجد، ثم تبين أنَّه لم يكن آخر الصلاة، لزمه إعادتها في آخرها، وذلك في صورتين
إحداهما أن يسجد للسهو في الجمعة، ثم يخرج الوقت، وهو في السجود الأخير، فيلزمه إتمام الظهر، ويُعيد السجود.
والثانية أن يكون مسافرًا، فيسجد السهو، وتصل به السفينة إلى الموطن، أو ينوي الإقامة فيتمُّ، ويعيدُ السجود. والله أعلم.
[1] في هامش الأصل وجه التأمل أنه لا يلزم من قوله سألهم إلى آخره رجوع إلى قول الغير حتى يلزم التناقض، فافهم. منه.
[2] بل ثبتت رواية أيضًا، وهي رواية الأصيلي كما في اليونينية.