3689 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بالقاف والزاي والمهملة المفتوحات، قال (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) ابن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كذا قال أصحاب إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وخالفهم عبدُ الله بن وهب فقال عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها، قال أبو مسعود لا أعلم أحدًا تابع ابن وهب على هذا، والمعروف عن إبراهيم بن سعد أنَّه عن أبي هريرة رضي الله عنه لا عن عائشة رضي الله عنها، وزكريا ابنُ أبي زائدة، ذكره كما ذكره البخاري، كما سيأتي.
فإن قيل قال محمد بن عجلان عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أخرجه مسلم والترمذي والنَّسائي.
فالجواب أنَّه قال أبو مسعود وهو مشهورٌ عن ابنِ عجلان فكأنَّ أبا سلمة سمعَه من عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما جميعًا.
وقال الحافظُ العسقلاني وله أصل من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه ابن سعد من ابنِ أبي عتيق عنها، وأخرجَه من حديث خُفاف بن إيماء أنَّه كان يصلي معه عبد الرَّحمن بن عوف، فإذا خطبَ عمر، سمعَه يقول أشهدُ أنَّك مكلَّم.
(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ) بفتح الدال المشددة، جمع مُحدَّث، واختلف في تأويله فقيل ملهمٌ، قاله الأكثر، قالوا المُحدَّث _ بالفتح _ الرَّجل الصَّادق الظَّن، وهو مَن أُلقى في روعهِ شيءٌ فيكون كالذي حدَّثه غيره به، وبهذا جزمَ أبو أحمد العسكري.
وقيل من يجري الصَّواب على لسانهِ
ج 16 ص 287
من غير قصد، وقيل مُكلَّم؛ أي يكلِّمه الملائكة بغير نبوَّة، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا، ولفظه قيل يا رسول الله وكيف يُحدَّث؟ قال تتكلَّم الملائكةُ على لسانه.
ويؤيِّده ما ثبتَ في الرواية المعلَّقة الآتية. ويحتملُ ردَّها إلى المعنى الأوَّل؛ أي يكلِّم في نفسه وإن لم يرَ متكلِّمًا في الحقيقة فرجعَ إلى الإلهام.
ووقع في «مسند الحميدي» عقبَ حديث عائشة رضي الله عنها المحدَّث المُلهم بالصَّواب الذي يُلقَى على فِيْهِ. وفي رواية الترمذي (( قال ابنُ عيينة محدَّثون ) )يعني مفهمون. وفي رواية الإسماعيلي (( قال إبراهيمُ يعني ابنَ سعد راويه ) )قوله محدَّث؛ أي مُلقى في رَوعه، انتهى.
ويؤيِّده حديث (( إنِّ الله جعلَ الحقَّ على لسان عُمر وقلبه ) )، أخرجه الترمذيُّ من حديثِ ابن عمر رضي الله عنهما. وأحمدُ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والطَّبراني من حديث بلال رضي الله عنه. وأخرجَه في «الأوسط» من حديث عمر رضي الله عنه نفسه.
(فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ، زَادَ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) قد مرَّ في «الإيمان» [خ¦52] (عَنْ سَعْدٍ) هو ابنُ إبراهيم المذكور، وفي روايته زيادتان إحداهما بيان كونهم من بني إسرائيل، والثَّانية تفسير المراد بالمحدَّث في رواية غيره فإنَّه يقول بدلها «يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء» .
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ، يُكَلَّمُونَ) على البناء للمفعول؛ أي تُكلِّمهم الملائكة (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي) ويروى (مِنْهُمْ أَحَدٌ) ويروى ، وفي رواية الكُشميهني (فَعُمَرُ) أي فهو عمر رضي الله عنه، وهذا التَّعليق وصله الإسماعيليُّ وأبو نُعيم في «مستخرجيهما» ثم قوله (( فإن يكُ في أمَّتي ) )... إلى آخره، قيل لم يورد هذا القول موردَ التَّرديد فإن أمَّته أفضل الأمم، وإذا أثبت أن ذلك وُجِدَ في غيرهم فإمكان وجودهِ فيهم أولى، فإنَّما أوردَه موردَ التَّأكيد كما يقول
ج 16 ص 288
الرَّجل إن يكن لي صديق فإنَّه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصَّداقة لا نفي الأصدقاء.
ونحوه قول الآخر إن كنت علمتُ لك فوَفِّني حقِّي، وكلاهما عالمٌ بالعمل، لكن مُراد القائل إن تأخيرك حقِّي عملُ من عنده شكٌّ في كوني عملتُ.
وقال الطِّيبي المراد بالمحدَّث المُلَهم البالغ في ذلك مبلغَ النَّبي في الصِّدق، والمعنى لقد كان فيما قبلكُم من الأمم أنبياء مُلهمون وإن يكُ في أمَّتي أحدٌ هذا شأنه فهو عُمر، فكأنَّه في انقطاع قرينه في ذلك هل نبي أم لا؟ فلذلك أتى بلفظ «أن» ويؤيِّده حديث (( لو كان بعدِي نبيٌّ لكان عمر ) )و «لو» فيه بمنزلة «أن» في الآخر على سبيل الفرض والتَّقدير، انتهى.
والحديث المشار إليه أخرجه أحمد والترمذيُّ وحسَّنه وابن حبَّان والحاكم من حديث عقبة بن عامر به. وأخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، ولكن في تقرير الطِّيبي نظر لأنَّه وقع في نفس الحديث (( من غير أن يكونوا أنبياء ) )، ولا يتم مُراده إلَّا بفرض أنهم كانوا أنبياء.
وقد مضى الحديث في باب «ما ذكر عن بني إسرائيل» [خ¦3469] .
ومطابقته للترجمة ظاهرة.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا مُحَدَّثٍ) أشارَ بهذا إلى قراءة ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى (( وما أرسلنَا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍّ ولا محدَّث ) )يعني أنه زاد فيها قوله (( ولا محدَّث ) )أخرجه سفيان بن عُيينة في أواخر «جامعه» .
وأخرجه عبد بن حُميد من حديث عَمرو بن دينار، قال كان ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقرأ (( وما أرسلنَا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍّ ولا محدَّث ) ). وإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما صحيحٌ.