فهرس الكتاب

الصفحة 2496 من 11127

1586 - (حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح الموحدة وتخفيف التحتانية وبالنون في الأوَّل وبفتح العين في الثاني، وقد مرَّ في باب تعاهد ركعتي الفجر [خ¦1169] ، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزيادة، هو ابن هارون، كما جزم به أبو نعيم في «المستخرج» ، وقد مرَّ في باب التَّبرز في البيوت [خ¦149] ، قال (حَدَّثَنَا جَرِير) بفتح الجيم، هو ابن حازم، بالحاء المهملة وبالزاي، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) بضم الراء وسكون الواو وتخفيف الميم وبعد الألف نون، مولى آل الزُّبير بن العوام، أبو رَوح، بفتح الراء، مات سنة ثلاثين ومائة.

(عَنْ عُرْوَةَ) كذا رواه الحفَّاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه وأخرجه أحمد بن حنبل وأحمد بن سنان وأحمد بن منيع في «مسانيدهم» هكذا، وكذا رواه النَّسائي والإسماعيلي من طريق هارون الجمال والزَّعفراني كلهم، عن يزيد بن هارون. وخالفهم الحارث بن أبي أسامة فرواه عن يزيد بن هارون فقال عن عبد الله بن الزُّبير بدل عروة عن الزُّبير، وهكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق أبي الأزهر، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، وقال الإسماعيليُّ إن كان أبو الأزهر ضبطه فكأنَّ يزيد بن رومان سمعه من الأخوين، والله أعلم.

(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ) بالإضافة عند جميع الرُّواة، وقال المطرزي لا يجوز حذف الواو في مثل هذا والصَّواب حديثو عهد (بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ) هو المسمَّى بالحِجر (وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ) أي ألصقته بها بحيث يكون بابه على وجه الأرض غير مرتفعٍ.

(وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًَّا وَبَابًا غَرْبِيًَّا) والأوَّل هو الموجود الآن لكنَّه مرتفعٌ ففيه ثلاثة تصرُّفات على خلاف ما بناه إبراهيم عليه السَّلام (فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السَّلام فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ) أي عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما (عَلَى هَدْمِهِ) أي هدم البيت وزاد وهب بن جرير في روايته «وبنائه» .

(قَالَ يَزِيدُ) أي ابن رومان بالإسناد المذكور

ج 7 ص 560

(وشَهِدْتُ) أي حضرت (ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ وَقَدْ رَأَيْتُ) الرَّائي يزيد بن رومان (أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السَّلام حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ) جمع سنام هكذا ذكره يزيد بن رومان مختصرًا، وقد رواه مسلم من طريق عطاء بن أبي رباح قال لمَّا احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشَّام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزُّبير حتَّى قدم النَّاس الموسم يريد أن يجرئهم على أهل الشَّام، فلمَّا صدر النَّاس قال يا أيُّها النَّاس، أشيروا عليَّ في الكعبة أنقضها ثمَّ أبني بناءها أو أصلح ما وَهَى منها.

فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما فإنِّي قد فُرِق لي رأيٌ فيها، أرى أن تصلح ما وَهَى منها وتدع بيتًا أسلم النَّاس عليه وأحجارًا أسلم النَّاس عليها وبعث عليها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال ابن الزُّبير رضي الله عنهما لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتَّى يجدِّده فكيف بيت ربكم؟ إنِّي مستخير ربِّي ثلاثًا، ثمَّ عازمٌ على أمري، فلمَّا مضت ثلاث، أجمع رأيَه على أن ينقضه، فتحاماه النَّاس أن ينزل بأوَّل النَّاس يصعد فيه أمرٌ من السَّماء حتَّى صعده رجلٌ فألقى منه حجارة، فلمَّا لم يره النَّاس أصابَه شيءٌ تتابعوا فنقضوه حتَّى بلغوا به الأرض فجعل ابن الزُّبير أعمدة فستر عليها السُّتور حتَّى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزُّبير سمعت عائشة رضي الله عنها تقول إنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لولا أنَّ النَّاس حديثٌ عهدُهم بكفرٍ وليس عندي من النَّفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحِجر خمسة أذرعٍ، ولجعلت له بابًا يدخل منه النَّاس، وبابًا يخرجون منه قال فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف النَّاس فزاد فيه خمسة أذرعٍ من الحِجر حتَّى أبدى أُسًا نظر النَّاس إليه ) )فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعًا، فلمَّا زاد فيه استقصره فزاد طوله عشرة أذرعٍ وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه.

فلمَّا قتل ابن الزُّبير كتب الحجَّاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أنَّ ابن الزُّبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكَّة، فكتب إليه عبد الملك إنَّا لسنا من تلطيخ ابن الزُّبير في شيءٍ، أمَّا ما زاد في طوله فأقرَّه وأمَّا ما

ج 7 ص 561

زاد فيه من الحِجر فردَّه إلى بنائه وسدَّ الباب الذي فتحه فنقضه وأعاده إلى بنائه.

وقال ابن سعد لم يبن ابن الزُّبير الكعبة حتَّى حجَّ بالنَّاس سنة أربع وستين، ثمَّ بناها حين استقبل سنة خمس وستين، وحكى عن الواقدي أنَّه ردَّ ذلك وقال إنَّه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين يومًا.

والمراد من الجيش جيش الشَّام، وقيل يزيد بن معاوية، وكان أميرُهم الحصين بن نمير وما ارتحلوا من مكَّة حتَّى أتاهم موت يزيد بن معاوية، وذلك بَعْدَ أنْ أفسدوا في حرم الله وسفكوا الدِّماء وأوهنوا الكعبة من حجارة المجانيق.

وقال الأزرقيُّ كان ذلك في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين، ويمكن الجمع بين الرِّوايتين بأن يكون ابتداء البناء في ذلك الوقت وامتدَّ أمره إلى الموسم ليراه أهل الآفاق؛ ليشنع بذلك على بني أميَّة، وفي «تاريخ المسبِّحي» كان الفراغ من بناء البيت في الصحيح في سنة خمس وستين.

وزاد المحبُّ الطَّبري إنَّه كان في شهر رجب، وإن لم يكن هذا الجمع مقبولًا، فالذي في الصَّحيح مقدَّم على غيره، وروى ابن سعدٍ في «الطبقات» من طريق أبي الحارث بن زمعة قال ارتحل الحصين بن نمير؛ يعني الأمير الذي كان يقاتل ابن الزُّبير من قِبَل يزيد بن معاوية لمَّا أتاهم موت يزيد بن معاوية [1] في ربيع الآخر سنة أربع وستين قال فأمر ابن الزُّبير بالخُصاص التي كانت حول الكعبة فهُدِمَتْ، فإذا الكعبة تَنْفُضُ؛ أي تتحرَّك متوهنةً ترتج من أعلاها إلى أسفلها فيها أمثال صوت النِّساء من حجارة المنجنيق.

وللفاكهيِّ من طريق عثمان بن ساج بلغني أنَّه لمَّا بلغ جيش الحصين بن نمير أحرق بعض أهل الشَّام على باب بني جَمْحٍ، وفي المسجد يومئذٍ خيام، فمشى الحريق حتَّى أخذ في البيت فظنَّ الفريقان أنَّهم هالكون وضعف بناء البيت حتَّى إنَّ الطَّير لتقع عليه فتتناثر حجارته.

ولعبد الرَّزاق عن أبيه، عن مرثد بن شرحبيل أنَّه حضر ذلك قال كانت الكعبة قد وهنت من حريق أهل الشَّام قال فهدمها ابن الزُّبير فتركه حتَّى قدم النَّاس الموسم، وقد مرَّ ذلك في رواية مسلم آنفًا.

وقال ابن عيينة في «جامعه» عن داود بن شابور، عن مجاهدٍ قال خرجنا إلى منى فأقمنا بها ثلاثًا ننتظر العذاب، وارتقى ابن الزُّبير على جدار الكعبة هو بنفسه فهدم.

وفي رواية أبي أويس ثمَّ عزل ما كان يصلح أن يُعاد في البيت فبنوا به ونظروا إلى ما كان لا يصلح منها أن يبني به فأمر به أن يحفر له في جوف

ج 7 ص 562

الكعبة فيدفن وتبعوا قواعد إبراهيم من نحو الحجر، فلم يصيبوا شيئًا حتى شقَّ على ابن الزُّبير، ثمَّ أدركوها بعدما أمعنوا فنزل عبد الله بن الزُّبير، فكشفوا له عن قواعد إبراهيم عليه السَّلام وهي صخرٌ كأمثال الخلف من الإبل فانفضوا له؛ أي حرَّكوا تلك القواعد بالعُتُلِّ فنفضتْ قواعدَ البيت، ورأوه بُنيانًا مربُوطًا بعضُه ببعض فحمد الله تعالى وكبَّره، ثمَّ أُحضر النَّاس فأمر بوجوههم وأشرافهم فنزلوا حتَّى شاهدوا ما شاهدوا، ورأوا بنيانًا متصلًا فأشهدهم على ذلك.

وفي رواية عبد الرَّزاق من طريق ابن سابط، عن زيدٍ أنَّهم كشفوا عن القواعد فإذا الحجر مثل الخَلفة، والحجارة مشبكٌ بعضها ببعض، وفي رواية للفاكهيِّ عن عطاء قال كنت في الأمناء الذين جمعوا على حفره فحفروا قامة ونصفًا فهجموا على حجارةٍ لها عروق تتَّصل بزَرْد عِرْقِ المروةِ فضربُوه فارتجَّت قواعدُ البيت فكبَّر النَّاس فبنى عليه.

وفي رواية مَرثد، عند عبد الرَّزاق (( فكشف عن رَبَضٍ في الحِجْر آخذٍ بعضُه ببعضٍ، فتركه مكشوفًا ثمانية أيَّام ليشهدوا عليه قال فرأيت ذلك الرَّبض مثل خلف الإبل، ورأيت الرَّجل يأخذ العتلة فيضرب بها من ناحية الرُّكن فيهتزُّ الرُّكن الآخر ) ).

والخَلِف بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وفي آخره فاء، قال الجوهريُّ المخاض، وهي الحوامل من النُّوق والواحد خَلِفَة، وقد تقدَّم في رواية عطاء عند مسلمٍ (( وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه ) ).

وفي رواية الأسود التي في العلم [خ¦126] ففعله عبد الله بن الزُّبير؛ أي فعل ما قاله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيلي فنقضه عبد الله بن الزُّبير فجعل له بابين في الأرض. ونحوه للتِّرمذي من طريق شعبة، عن أبي إسحاق.

وللفاكهيِّ من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة أنَّه دخل الكعبة بعدما بناها ابن الزُّبير فكان النَّاس لا يزدحمون فيها يدخلون من باب ويخرجون من آخر.

تنبيه جميع الرِّوايات في هذه القصَّة متَّفِقَة على أنَّ ابن الزُّبير رضي الله عنهما جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سمتهِ، وقد ذكر الأزرقيُّ أنَّ جملة ما غيره الحجَّاج الجدار الذي من جهة الحِجر والباب المسدود الذي في الجانب الغربي عن يمين الرُّكن اليمانيِّ، وما تحت عتبة الباب الأصليِّ وهو أربعة أذرع وشبر.

وهذا موافقٌ لما في الرِّوايات المذكورة لكنَّ الشَّاهَد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود يقابل الباب الأصلي وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزُّبير لم يكن لاصقًا بالأرض، فيحتمل أن يكون لاصقًا كما صرَّحت به الرِّوايات لكن الحجَّاج لما غيرَّه رَفَعَه وَرَفَعَ الباب الذي يقابله أيضًا، ثمَّ بدا له فَسَدَّ البابَ المجدَّد.

قال الحافظ العسقلانيُّ لكن لم أَرَد النَّقل بذلك صريحًا،

ج 7 ص 563

وذكر الفاكهيُّ في «أخبار مكَّة» أنَّه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين فإذا هو مقابل باب الكعبة وهو بقدره في الطُّول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة، كما في الباب الموجود سواء، فالله أعلم.

فائدة قال أبو أويس أخبرني غير واحدٍ من أهل العلم أنَّ عبد الملك ندم على إذنه للحجَّاج في هدمها ولعن الحجَّاج، ولابن عيينة عن داود بن شابور عن مجاهدٍ فردَّ يعني الحجَّاج الذي كان ابن الزُّبير أدخل فيها من الحجر قال فقال عبد الملك وددنا أنا تركنا أبا خبيب وما تولى من ذلك.

وقد أخرج قصَّة ندم عبد الملك على ذلك مسلم من وجهٍ آخر فعنده من طريق الوليد بن عطاء أنَّ الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وفد على عبد الملك في خلافته فقال ما أظنُّ أبا خُبيب، يعني ابن الزُّبير، سمع من عائشة رضي الله عنها ما كان يزعم أنَّه سمع منها فقال الحارث بلى أنا سمعتُه منها. زاد عبد الرَّزاق عن ابن جريجٍ فيه وكان الحارث مُصَدَّقًا لا يُكَذَّب، فقال عبد الملك أنت سمعتها تقول ذلك قال نعم، فنكت ساعةً بعصاه وقال وددت أنِّي تركته وما تحمَّل.

وأخرجه أيضًا من طريق أبي قزعة قال بينما عبد الملك يطوف بالبيت إذ قال قاتل الله ابن الزُّبير حيث يكذب على أمَّ المؤمنين. فذكر الحديث، فقال له الحارث لا تقل هذا يا أمير المؤمنين أما سمعت أمَّ المؤمنين رضي الله عنها تحدِّث بهذا قال لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على بناء ابن الزُّبير.

ثمَّ إنَّه لم يذكر المؤلِّف رحمه الله قصَّة تغيير الحجَّاج لما صنعه ابن الزُّبير، وقد ذكرها مسلم في رواية عطاء كما تقدَّم.

(قَالَ جَرِيرٌ) هو ابن حازمٍ المذكور في السنة (فَقُلْتُ لَهُ) أي ليزيد بن رومان (أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ أُرِيكَهُ الآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ، فَقَالَ هَاهُنَا. قَالَ جَرِيرٌ فَحَزَرْتُ) بتقديم الزاي على الراء؛ أي قدَّرت (مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا) وقد ورد ذلك مرفوعًا إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما تقدَّم في الطَّريق الثَّانية [خ¦1584] وأنَّها أرجح الرِّوايات، وأنَّ الجمع بين المختلف منها ممكنٌ، وهو أولى من دعوى الاضطراب والطَّعن في الرِّوايات المقيَّدة لأجل الاضطراب،

ج 7 ص 564

كما جنح إليه ابن الصَّلاح وتبعه النَّووي؛ لأنَّ شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذَّر التَّرجيح أو الجمع ولم يتعذَّر ذلك هنا، فيتعيَّن حمل المطلق على المقيَّد، كما هو قاعدة مذهبهما.

ويؤيده أنَّ الأحاديث المطلقة والمقيَّدة متواردةٌ على سببٍ واحدٍ وهو أنَّ قريشًا قصروا عن بناء إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام، وأنَّ ابن الزُّبير رضي الله عنهما أعاده على بناء إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام، وأنَّ الحجاج أعاده على بناء قريشٍ ولم تأت رواية قط صريحة أنَّ جميع الحجر من بناء إبراهيم عليه السَّلام في البيت.

قال المحبُّ الطَّبري في «شرح التنبيه» له والأصحُّ أنَّ القَدْر الذي في الحِجر من البيت قدر سبعة أذرعٍ، والرِّواية التي جاء فيها أنَّ الحجر من البيت، مطلقة، فيحمل المطلق على المقيَّد فإنَّ إطلاق اسم الكلِّ على البعض شائع مجازًا.

وإنَّما قال النَّووي ما قال نصرة لما رجَّحه من أنَّ جميع الحِجر من البيت، وعمدته في ذلك أنَّ الشَّافعي نصَّ على إيجاب الطَّواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرِّ الاتِّفاق عليه ونقل غيره أنَّه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة ولا عن أحدٍ من الصَّحابة ومن بعدهم أنَّه طاف من داخل الحجِر، فكان عملًا مُسْتَمِرًّا.

ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت، وهذا مُتَعَقَّبٌ، فإنَّه لا يلزم من إيجاب الطَّواف من ورائه أن يكون كلَّه من البيت فقد نصَّ الشَّافعي أيضًا، كما ذكره البيهقيُّ في «المعرفة» أنَّ الذي في الحِجر من البيت نحو من ستَّة أذرعٍ، ونقله عن عدَّة من أهل العلم من قريش لقيهم، كما تقدَّم.

فعلى هذا، فلعلَّه رأى إيجاب الطَّواف من وراء الحجر احتياطًا، وأمَّا العمل فلا حجَّة فيه على الإيجاب فلعلَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن بعده فعلوه استحبابًا للرَّاحة من تسوَّر الحجر، لاسيَّما والرِّجال والنِّساء يطوفون جميعًا، فلا يؤمن على المرأة التَّكشف فلعلَّهم أرادوا حسم هذه المادة.

وأمَّا ما نقله المهلَّب عن ابن أبي زيد أنَّ حائط الحجر لم يكن مبنيًّا في زمن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر رضي الله عنه حتَّى كان عمر رضي الله عنه فبناه ووسعه قطعًا للشَّك، وأنَّ الطَّواف قبل ذلك كان حول البيت، ففيه نظرٌ.

وعمدة المهلَّب في ذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب بنيان الكعبة في أوائل السِّيرة النَّبويَّة [خ¦3830] بلفظ

ج 7 ص 565

«لم يكن حول البيت حائطٌ، وكانوا يصلُّون حول البيت حتَّى كان عمر رضي الله عنه فبنى حوله حائطًا جَدْرُه قَصِيرةٌ» . انتهى.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا إنمَّا هو في حائط المسجد لا في الحجر فدخل الوهم على قائله من هنا، ولم يزل الحِجر موجودًا في عهد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما تُصَرِّح به كثيرٌ من الأحاديث الصَّحيحة.

نعم، في الحكم بفساد طواف من دخل الحِجر وخلَّى بينه وبين البيت سبعة أذرعٍ نظر، وقد قال بصحَّته جماعةٌ من الشَّافعية كإمام الحرمين، ومن المالكيَّة كأبي الحسن اللخمي.

وذكر الأزرقيُّ أنَّ ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا، فعلى هذا، فنصف الحجر ليس من البيت فلا يفسد طواف من طاف دونه، وأمَّا قول المهلَّب إنَّ الفضاء لا يسمَّى بيتًا وإنَّما البيت البنيان؛ لأنَّ شخصًا لو حلف لا يدخل بيتًا فانهدم ذلك البيت، لا يحنث بدخوله مكان ذلك البيت، فليس بواضحٍ، فإنَّ المشروع من الطَّواف ما شرع للخليل عليه السَّلام بالاتِّفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف ولا يسقط ذلك بانهدامٍ حَرَمِ البيت؛ لأنَّ العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتةٌ ولو فقد الجدار، وأمَّا اليمين فمتعلِّقة بالعرف.

ويؤيده أنَّه لو انهدم مسجد فنقلت حجارته إلى موضعٍ آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجدٍ، فدلَّ على أنَّ البقعة أصلٌ للجدار بخلاف العكس، أشار إلى ذلك ابن المنيِّر في «الحاشية» ، ثمَّ في حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدَّم ما ترجم عليه المؤلِّف في العلم، وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض النَّاس [خ¦126] ، فالمراد بالاختيار في عبارته المستحبُّ.

وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرَّع النَّاس إلى إنكاره وما يُخشى منه تولُّد الضَّرر عليهم في دين ودنيا، وتألُّف قلوبهم ممَّا لا يُتْرك فيه أمرٌ واجب.

وفيه تقديم الأهمِّ فالأهمِّ من دفع المفسدة، وإذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة، وفيه حديث الرَّجل مع أهله في الأمور العامَّة وحرص الصَّحابة على امتثال أوامر النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

تتميم حكى ابن عبد البرِّ وتبعه القاضي عياض وغيره عن الرشيد أو المهدي

ج 7 ص 566

أو المنصور أنَّه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزُّبير فناشده مالكٌ في ذلك وقال أخشى أن يصير ملعبةً للملوك، فتركه. هذا، وذلك بعينه كما خشي جدُّهم الأعلى عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما فأشار على ابن الزُّبير لما أراد أن يهدمَ الكعبة ويجدِّد بناءها بأن يَرُمَّ ما وَهَى منها ولا يتعرَّض لها بزيادة ولا نقص، وقال له «لا آمن أن يجيء مِنْ بعدك أميرٌ فيغيِّر الذي صنعته» . أخرجه الفاكهيُّ من طريق عطاء عنه.

وذكر الأزرقيُّ أنَّ سليمان بن عبد الملك همَّ بنقض ما فعله الحجَّاج، ثمَّ ترك ذلك لمّا ظهر له أنَّه فعله بأمر أبيه عبد الملك.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف في شيءٍ من التَّواريخ على أنَّ أحدًا من الخلفاء ولا من دونهم غيَّر من الكعبة شيئًا ممَّا صنعه الحجَّاج إلى الآن إلَّا في الميزاب والباب وعتبته.

وكذا وقع التَّرميم في جدارها غير مرَّة وفي سقفها، وفي سلّم سطحها وجُدِّد فيها الرخامُ، فذكر الأزرقيُّ عن ابن جريج أنَّ أوَّل من فرشها بالرُّخام الوليد بن عبد الملك.

ووقع في جدارها الشَّامي ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثمَّ في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثمَّ في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثمَّ في سنة ثمانين وستمائة ثمَّ في سنة أربع عشرة وثمانمائة.

وممَّا يتعجَّب منه أنَّه لم يتَّفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلَّا فيما صنعه الحجَّاج، إمَّا من الجدار الذي بناه في الجهة الشَّامية، وإمَّا في السلم الذي جدَّده للسَّطح والعتبة وما عدا ذلك ممَّا وقع فإنَّما هو لزيادةٍ مَحْضَةٍ كالرُّخام أو لتحسينٍ كالباب والميزاب، كذا ذكر الحافظ العسقلانيُّ.

وقد حكى الفاكهيُّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد الله بن بكر السَّهمي، عن أبيه قال جاورت بمكَّة فعابت؛ أي بالعين المهملة وبالموحَّدة، أسطوانة من أساطين البيت فأُخْرِجَتْ وجِيءَ بأخرى ليُدخلوها مكانها فطالت عن الموضع وأَدركهم الليل والكعبة لا تفتح ليلًا، فتركوها ليعودوا من غدٍ فيصلحوها فجاءوا من غد، فأصابوها أقوم من قِدح؛ أي بكسر القاف، وهو السَّهم. وهذا إسناده قويٌّ رجاله ثقاتٌ.

ومُكرم هو ابن حبيب من كبار أتباع التَّابعين، وكأنَّ القصَّة كانت في أوائل دولة بني العبَّاس، وكانت الأسطوانة من خشبٍ، والله سبحانه أعلم.

[1] قوله (( لما أتاهم موت يزيد بن معاوية ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت