1584 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بفتح الهمزة والواو، سلام بن سليم، وقد مرَّ في باب الالتفات في الصَّلاة [خ¦751] ، قال (حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ) هو ابن أبي الشَّعثاء المحاربيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) النَّخعي (عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَدْرِ) بفتح الجيم وسكون المهملة، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المُسْتملي قال الخليل الجُدْرُ لغة في الجدار. وقال الكِرمانيُّ وفي بعضها بضم الجيم، وقال العينيُّ والظَّاهر أنَّه وهمٌ؛ لأنَّ المراد به الحِجر، وفي رواية أبي داود الطَّيالسي في «مسنده» عن أبي الأحوص شيخ مسدَّد (( الجدر أو الحجر ) )بالشَّك، ولأبي عوانة من طريق شيبان، عن الأشعث عن الحجر بغير شكٍّ.
(أَمِنَ الْبَيْتِ) الهمزة فيه للاستفهام (هُوَ) أي الجدر (قَالَ نَعَمْ) أي قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( نعم الجدر من البيت ) )، وهذا يدلُّ على أنَّ الحِجرَ كلَّه من البيت، وبذلك كان يفتي ابن عبَّاس رضي الله عنهما، كما رواه عبد الرَّزاق، عن أبيه، عن مرثد بن شرحبيل قال سمعت ابن عبَّاس رضي الله عنهما يقول «لو وليت من البيت ما ولي ابن الزُّبير لأدخلت الحِجر كلَّه في البيت فَلِمَ يُطاف به إن لم يكن من البيت؟» .
وروى التِّرمذي بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قال كنت أُحِبُّ أن أدخل البيت فأصلِّي فيه، فأخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي فأدخلني الحِجر فقال (( صلِّي في الحِجر إن أردت دخول البيت فإنَّما هو قطعةٌ من البيت ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت ) )، قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد روى أبو داود من رواية سعيد بن جبير أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله، كلُّ نسائك دخل الكعبة غيري قال (( فانطلقي إلى قرابتك شيبة يفتح لك الكعبة ) )، فأتته فأتى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (( والله ما فتحت بليلٍ قط في جاهليَّة ولا إسلامٍ وإن أمرتني أن أفتحها فتحتها ) )قال لا ثمَّ قال (( إنَّ قومك قصرت بهم النَّفقة فقصروا في البنيان، وإنَّ الحِجر من البيت فاذهبي فصلِّي فيه ) ).
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في هذا الحديث إنَّ الحِجر كلَّه من البيت، وهو
ج 7 ص 555
ظاهر نصِّ الشَّافعي في «المختصر» ومقتضى كلام جماعة من أصحابه كما قال الرَّافعي. وقال النَّووي إنَّه الصَّحيح، وعليه نصَّ الشَّافعي [1] وبه قطع جماهير أصحابنا، قال وهذا هو الصَّواب، وكذا رجَّحه ابن الصلاح قبله.
وقال الرَّافعي الصَّحيح أنَّه ليس كله من البيت بل الذي هو من البيت قدر ستَّة أذرعٍ يتَّصل بالبيت، وبه قال الشَّيخ أبو محمَّد الجويني وابنه إمام الحرمين والغزالي والبغوي.
والدَّليل عليه ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لولا أنَّ قومك حديثوا عهدٍ بشرك لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستَّة أذرعٍ من الحجر، فإنَّ قريشًا اقتصرتها حين بنت الكعبة ) ).
وقال ابن الصَّلاح اضطربت الرِّوايات فيه، ففي رواية في «الصَّحيحين» الحِجر من البيت، وروي ستَّة أذرع أو نحوها، وروي خمس أذرعٍ، وروي قريبًا من سبع.
قال ابن الصَّلاح وإذا اضطربت الرِّوايات تعيَّن الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقينٍ، وقال الحافظ العسقلانيُّ بعد أن ذكر حديث التَّرمذي ونحوه لأبي داود من طريق صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها، ولأبي عوانة من طريق قتادة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أيضًا.
ولأحمد من طريق سعيد بن جبير، عن عائشة رضي الله عنها أيضًا، وهذه الرِّوايات كلُّها مطلقةٌ، وقد جاءت روايات أصحَّ منها مقيَّدة.
منها لمسلم من طريق أبي قزعة، عن الحارث بن عبد الله، عن عائشة رضي الله عنها في حديث الباب «حتى أزيد فيه من الحِجر» ، وله من وجهٍ آخر عن الحارث عنها (( فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمِّي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبًا من سبعة أذرعٍ ) ).
وله من طريق سعيد بن ميناء، عن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث (( وزدت فيها من الحجر ستَّة أذرع ) )، وسيأتي في آخر الطَّريق الرَّابعة إن شاء الله تعالى [خ¦1586] قول يزيد بن رومان الذي رواه عن عروة أنَّه أَراه لجرير بن حازم فَحَزَره ستَّة أذرع أو نحوها،
ج 7 ص 556
ولسفيان بن عيينة في «جامعه» عن داود بن شابور، عن مجاهد أنَّ ابن الزُّبير زاد فيه ستَّة أذرعٍ ممَّا يلي الحِجر. وله عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن الزُّبير ستَّة أذرعٍ وشبر.
وهكذا ذكر الشَّافعي عن عددٍ لقيهم من أهل العلم من قريش كما أخرجه البيهقيُّ في «المعرفة» عنه، وهذه الرِّوايات كلُّها تجتمع على أنَّها فوق السِّتة ودون السَّبعة، وأمَّا رواية عطاء عند مسلمٍ، عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا «لَكُنْتُ أُدْخِلُ فيه من الحِجر خمسة أذرعٍ» . فهي شاذَّة، والرِّوايات السَّابقة أرجح؛ لما فيها من الزِّيادة عن الثِّقات الحفاظ.
ثمَّ ظهر لي لرواية عطاء وجه وهو أنَّه أريد به ما عدا الفرجة التي بين الرُّكن والحجر، فتجتمع مع الرِّوايات الأخرى، فإنَّ ما عدا الفرجة أربعة أذرعٍ وشيء.
ولهذا وقع عند الفاكهيِّ من حديث أبي عمرو بن عديِّ بن الحمراء أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة رضي الله عنها في هذه القصَّة (( ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرعٍ ) )فيحمل هذا على إلغاء الكسر ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الرِّوايات كلِّها بذلك قال ولم أر من سبقني إلى ذلك. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ قوله وقد جاءت روايات أصحُّ منها، غير مسلمٍ؛ لأنَّ حديث الباب يدلُّ على أنَّ الحجر كلَّه من البيت.
وأصرح منه حديث التِّرمذي الذي لفظه «إنَّ الحجر من البيت» وكلُّ ذلك صحيحٌ، وترجيح رواية الحارث، عن عائشة رضي الله عنها على رواية الأسود بن يزيد عنها بالأصحيَّة لا دليل عليه، ثمَّ تكلَّفَ في الجَمْع بين الرِّوايات بالكسر والجبر، فالأوجه الأصوب فيه ما قاله ابن الصَّلاح وهو الذي ذكر آنفًا، وسيجيء ما يتعلَّق بهذا المبحث في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
ثمَّ إنْ ثبت أنَّ الحِجر كلَّه أو بعضه من البيت فلا تَصحُّ صلاةُ كلِّ مستقبلٍ شيئًا منه وهو غير مستقبلٍ لشيءٍ من الكعبة، وذلك لأنَّ الأحاديث في هذا آحاد إنَّما تفيد الظنَّ وقد أمرنا باستقبال المسجد الحرام يقينًا على ما هو المعروف بين الحاضر والبعيد، وهذا هو المذهب عند الحنفيَّة والمالكيَّة وهو الذي صحَّحه الرَّافعي والنَّووي أنَّه لا يصحُّ استقبال شيءٌ من الحِجر في الصَّلاة مع عدم استقبال شيءٍ من الكعبة، والله أعلم.
(قُلْتُ) أي قالت عائشة رضي الله عنها قلت (فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ) من الإدخال (فِي الْبَيْتِ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ) بفتح الصاد
ج 7 ص 557
المشدَّدة، ويروى بضم الصاد المخففة، الطيبة التي أخرجوها لذلك، كما جزم به الأزرقيُّ وغيره.
ويوضِّحه ما روى ابن إسحاق في «السِّيرة» عن عبد الله بن أبي نجيح أنَّه أخبر عن عبد الله بن صفوان بن أمية أنَّ أبا وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو جدُّ جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزوميِّ قال لقريشٍ لا تدخلوا فيه من كسبكم إلَّا طيبًا ولا تدخلوا فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحدٍ من النَّاس.
وروى سفيان بن عيينة في «جامعه» عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه أنَّه شهد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أرسل إلى شيخ من بني زهرة أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة فقال إنَّ قريشًا تقرَّبت لبناء الكعبة؛ أي بالنَّفقة الطَّيبة فعجزت فتركوا بعض البيت في الحجر فقال عمر رضي الله عنه صدقت.
(قُلْتُ) أي قالت رضي الله عنها قلت (فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا) من الإدخال، وفي رواية المستملي بغير لام (مَنْ شَاؤُا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُا) وزاد مسلم من طريق الحارث بن عبد الله، عن عائشة رضي الله عنها (( فقال هل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟ قالت قلت لا، قال تعززًا أن لا يدخلها إلَّا من أرادوا فكان الرَّجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتَّى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط ) ).
(وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بتنوين حديث ورفع عهدهم على الفاعلية لحديث، ويروى بإضافة حديث إلى عهدهم (بِالْجَاهِلِيَّةِ) بالألف واللام في رواية الكُشْمِيْهني، وفي رواية غيره بدون اللام وقد تقدَّم في العلم بلفظ [خ¦126] (( حديثٌ عهدهم بكفرٍ ) )، وفي رواية أبي عوانة (( حديث عهدٍ بشركٍ ) )وجواب لولا محذوف، وهو قول لأدخلت الجَدْرَ في البيت.
(فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ) وفي رواية شيبان، عن أشعث (( تنفر ) )بالفاء بدل الكاف، ونقل ابن بطَّال عن بعض علمائهم أنَّ النَّفرة التي خشيها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم (أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ) كذا وقع هنا فكلمة أن مصدرية؛ أي أخاف إنكار قلوبهم إدخال الجَدْر فيه.
ج 7 ص 558
وقد رواه مسلم عن سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص بلفظ (( فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل ... ) )إلخ، فأثبت جواب لولا، وكذا أثبته الإسماعيليُّ من طريق شيبان عن أشعث ولفظه (( لنظرت فأدخلت ) ).
(وَأَنْ أُلْصِقَ) من الإلصاق؛ أي ألزق (بَابَهُ بِالأَرْضِ) وهو عطفٌ على ما قبله، والحديث أخرجه مسلم وابن ماجه في الحجِّ أيضًا.
[1] من قوله (( في المختصر ... إلى قوله الشافعي ) )ليست في (خ) .