1329 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بلفظ الفاعل، هو ابن عبد الله الحزامي (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء، اسمه أنس بن عياض، وقد مرَّ في باب «التَّبرز في البيوت» [خ¦148] .
(قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بضم العين وسكون القاف (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (أَنَّ الْيَهُودَ) من أهل خيبر (جَاؤُوا) في السَّنة الرَّابعة.
(إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا) قال ابن العربي في «أحكام القرآن» اسم المرأة بسرة، والرَّجل لم يسمَّ. وفي «التَّفسير» بهذا الإسناد عن ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦4556] قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (( كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ ) )قالوا نحمِّمهما؛ أي نسودهما بالحَمَمَة وهي الفحمة ونضربهما، فقال (( لا تجدون في التَّوراة الرجم؟ ) )فقالوا لا نجد فيها شيئًا، فقال لهم عبد الله بن سلام كذبتُم، فأْتُوا بالتَّوراة إن كنت صادقين، فوضع مِدْرَاسُها الذي يُدَرِّسُها منهم كفَّه على آية الرَّجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأُ آية الرَّجم، فنزع يدَه عن آية الرَّجم، فقال ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا هي آيةُ الرجم.
(فَأَمَرَ بِهِمَا) النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ) لا في المسجد. ويستفاد منه أنَّ موضع الجنائز خارج المسجد لا فيه، بناءً على أن التَّرجمة أعم من الإثبات والنَّفي كما تقدَّم [خ¦1327] .
وقد روى هذا الحديث مسلم أيضًا في «الحدود» قال حدَّثني الحكم بن موسى أبو صالح حدَّثنا شعيب بن إسحاق أخبرنا عبيد الله، عن نافع أنَّ عبد الله أخبره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى جاء يهود فقال ما تجدون في التَّوراة على من زنى؟ قالوا نسوِّد وجوههما ونحملهما، وتخالف بين وجوههما ويطاف بهما قال فأتوا بالتَّوراة إن كنتم صادقين، فجاءوا بها فقرؤوها حتَّى إذا مروا بآية الرَّجم وضع الفتى الذي يقرأ يدَه على آية الرَّجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبدُ الله بن سلام رضي الله عنه، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 6 ص 389
مرهُ فليرفع يده فرفعها، فإذا تحتها آية الرَّجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمهما، قال عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيتُه يقيها من الحجارة بنفسه.
قوله «ونحملهما» _ بالحاء واللام _؛ أي نحملهما على جمل، وفي رواية بالجيم المفتوحة؛ أي نجعلهما جميعًا على الجمل.
وفي «التَّفسير» عن ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦4556] أنَّه قال (( فرأيت صاحبها يحني عليها يقيها الحجارة ) ). قوله «يحني» ، من حنى يحني ويحنو، إذا أشفق، وقوله «يقيها» ؛ أي يحفظها من وَقَى يَقِي، وهو حال من فاعل «يحني» .
وقد روى المؤلِّف رحمه الله هذا الحديث في «الاعتصام» أيضًا [خ¦7332] ولفظه هاهنا كلفظه هنا سندًا ومتنًا بعينهما.
وقد رواه النَّسائي أيضًا في «الرَّجم» قال أخبرنا محمَّد بن سعدان، قال حدَّثنا الحسن بن أعين قال حدَّثنا زهير قال حدَّثنا موسى، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا قال فكيف تفعلون بمن زنا منكم، قالوا نضربهما قال ما تجدون في التَّوراة؟ قالوا ما نجد فيها شيئًا، فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه كذبتم في التَّوراة الرَّجم {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران 93] فجاءوا بالتَّوراة فوضع مدرِّسها الذي يُدرِّسها منهم كفَّه على آية الرَّجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرَّجم، فضرب عبد الله بن سلام يده فقال ما هذا؟ قال هي آية الرَّجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قريبًا من حيث توضع الجنائز، قال عبد الله رضي الله عنه فرأيت صاحبها يحني عليها ليقيها الحجارة.
وفي لفظ فجاءوا بالتَّوراة وجاءوا بقارئ لهم أعور، فقرأ حتَّى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه فقيل ارفع يدك، فرفع فإذا هي تلوح فقال يا محمَّد إنَّ فيها الرَّجم، ولكنَّا كنَّا نتكاتمه ... الحديث. وفي لفظ له (( فقال له عبد الله بن سلام ازحل كفَّك، فإذا هو بالرَّجم يلوح ) ).
قوله «ما تجدون في التَّوراة الرَّجم؟» ، هذا السُّؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنَّما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعلَّه صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه أنَّ الرَّجم في التَّوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء، أو أنَّه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يخف عليه ذلك حين كتموه.
وقوله «مِدراسها» _ بكسر الميم _ على وزن مِفْعال من أبنية المبالغة، وهو صاحب دراسة كتبهم من دَرَس يَدْرس دَرْسًا ودراسة، وأصل الدِّراسة. الرياضة والتَّعهد للشَّيء، كذلك المِدرس _ بكسر الميم _ أيضًا على وزن مفعل من أبنية المبالغة.
وجاء في حديث آخر (( حتَّى أتى المِدراس ) )بالكسر وهو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان،
ج 6 ص 390
ويستفاد من الحديث وجوب حدِّ الزِّنا على الكافر، وأنَّه يصحُّ نكاحه.
قال النَّووي لأنَّه لا يجب الرَّجم إلَّا على المحصنِ، فلو لم يصحَّ نكاحه لم يثبتْ إحصانه ولم يرجم. وقالت الحنفيَّة من جملة شروط الإحصان الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( من أشركَ بالله فليس بمحصنٍ ) ). رواه الدَّارقطني.
وعن أبي يوسف رحمه الله إنَّه ليس بشرط، وبه قال الشَّافعي وأحمد، واستدلُّوا على ذلك بحديث الباب. قلنا كان ذلك بحكم التَّوراة قبل نزول آية الجلد في أوَّل ما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة وصار منسوخًا بها، ثمَّ نسخ الجلد في حقِّ المحصن بآية منسوخ التِّلاوة، وهي «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة نكالًا من الله ورسوله والله عزيز حكيم» ، والكافرُ ليس بمحصنٍ، وهو قول علي وابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهما، وكذا قول مالك.
فإن قيل روى مسلم من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( خذوا عنِّي، خذوا عنِّي قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم ) )، فالنَّبي صلى الله عليه وسلم فرَّق بينهما بالثيوبة، فمن فرَّق بينهما بالإسلام فقد زادَ على النصِّ.
فالجواب أنَّ هذا منسوخ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم ما كان يحكم بعد نزول القرآن إلَّا بما فيه، وفيه النَّص على الجلد فقط، وكذا على الرَّجم فقط.
فإن قيل روي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا قبلوا عقد الذِّمَّة فأعلموهم أنَّ لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، والرَّجم على المسلم الثيِّب، فكذا على الكافر ) ).
فالجواب أنَّ الرَّجم غير واجب على كافَّة المسلمين، بل على الزُّناة المحصنين دون غيرهم، والكافر غير محصن.
ثمَّ اعلم أنَّ العلماء أجمعوا على وجوب حدِّ جلد الزَّاني البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيِّب، ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلَّا ما حكى القاضي عياض وغيره من الخوارج وبعض المعتزلة كالنَّظَّام وأصحابه فإنَّهم لم يقولوا بالرَّجم. واختلفوا في جلد الثيِّب مع الرَّجم، فقالت طائفة نحبُّ الجمع بينهما فيجلد ثمَّ يرجم.
وبه قال ابنُ أبي طالب والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظَّاهر وبعض أصحاب الشَّافعي، وقال جماهير العلماء الواجب الرَّجم وحدَه.
وحكى القاضي عياض عن طائفة من أهل الحديث أنَّه يجب الجمع بينهما إذا كان الزَّاني شيخًا ثيِّبًا، وإن كان شابًا ثيِّبًا اقتصر على الرَّجم، وهذا مذهبٌ باطلٌ لا أصل له.
والمراد من البكر من الرِّجال من لم يجامعْ في نكاح صحيح، وهو حرٌّ
ج 6 ص 391
عاقلٌ بالغٌ، والمراد من الثيِّب من جامع في دهره مرَّة في نكاح صحيح وهو حرٌّ عاقلٌ بالغٌ، والرَّجل والمرأة في هذا سواء.
قال النَّووي وسواء في كلِّ هذا المسلم والكافر والرَّشيد والمحجور عليه بسفه. وقال أيضًا وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم في البكر (( ونفي سنة ) )ففيه حجَّة للشَّافعي والجماهير أنَّه يجب نفيه سنة رجلًا كان أو امرأة.
وقال الحسن لا يجب النَّفي. وقال مالكٌ والأوزاعيُّ لا نفي على النِّساء. وروي مثله عن عليٍّ رضي الله عنه قالوا لأنَّها عورة، وفي نفيها تضييع لها وتعريض لها للفتنة، ولهذا نهيت عن المسافرة إلَّا مع محرم. وأمَّا العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشَّافعي
أحدها يُغرَّب كلُّ واحدٍ منهما سنة؛ لظاهر الحديث، وبه قال الثَّوري وأبو ثورٍ وداود وابن جرير.
والثَّاني يغرب نصف سنة، وهذا أصحُّ الأقوال.
والثَّالث لا يغرب المملوك أصلًا، وبه قال الحسن وحماد ومالك وأحمد وإسحاق.
وأمَّا عندنا معشر الحنفيَّة فينصَّف الجلد فيهما؛ يعني يجلدان خمسين سوطًا.
واعلم أنَّ الظَّاهر أنَّ رجم اليهوديين كان بالإقرار منهما. نعم جاء في «سنن أبي داود» وغيره أنَّه شهد عليهما أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجها، فإن كان الشُّهود مسلمين فظاهر، وإن كانوا كفارًا فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعيَّن أنَّهما أقرَّا بالزِّنا فافهم. والله أعلم.
وفي الحديث أنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشَّرع، وفيه اختلاف بين العلماء على ما عرف في موضعه. وفيه أيضًا أنَّهم إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكمِ شرعنا.