فهرس الكتاب

الصفحة 1968 من 11127

1246 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين بينهما مهملة، عبد الله بن عَمرو المقعد (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابن سعيد (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (أَيُّوبُ) هو السَّختياني (عَنْ حُمَيْدِ) بضم المهملة (ابْنِ هِلاَلٍ) العدوي البصري.

(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الرَّايَةَ) أي العَلَمَ (زَيْدٌ) هو ابن حارثة، بالمهملة والمثلثة، ابن شراحيل بن كعب الكلبي، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبنَّاه، ولم يذكر الله تعالى أحدًا من الصَّحابة باسمه الخاص إلَّا زيدًا، قال الله تعالى {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا} [الأحزاب 37] .

وقصَّة ذلك أنَّه لمَّا جهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش إلى مُؤْتة _ بضم الميم وسكون الواو وبالفوقانية _ موضع في أرض البلقاء من أطرافِ الشَّام على نحو مرحلتين من بيت المقدس في جمادى الأولى سنة ثمان أمَّر عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على النَّاس، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على النَّاس، فخرجوا وهم ثلاثة آلاف فتلاقوا مع الكفَّار فاقتتلوا فقُتِل زيد بن حارثة، ثمَّ أخذَ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتَّى قُتل، ثمَّ أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتَّى قُتل، ثمَّ أخذها خالد بن الوليد رضي الله عنهم ففتح الله على يديه، فأَخبر

ج 6 ص 187

بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يأتي خبرهم فقال أخذ الرَّاية زيد.

(فَأُصِيبَ) أي قُتل (ثُمَّ أَخَذَهَا) أي الرَّاية (جَعْفَرٌ) هو ابن أبي طالب الهاشمي الطيَّار ذو الجناحين لما روي أنَّه قطعت يداه يوم غزوة مؤتة، فجعل الله له جناحين يطيرُ بهما وهو صاحب الهجرتين الجواد ابن الجواد، وكان أمير المهاجرين إلى الحبشة.

قال ابن عمر رضي الله عنهما كنت في غزوة مؤتة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين _ وفي رواية وسبعين _ جراحة من طعنة ورمية رضي الله عنه.

(فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء وتخفيف الواو وبالحاء المهملة، الخزرجي المدني أحد النُّقباء ليلة العقبة، كان أوَّلَّ خارجٍ إلى الغزوات، وآخر قادم (فَأُصِيبَ وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَذْرِفَانِ) بلام التأكيد يقال ذرفت عينه إذا سال منها الدَّمع، وهو من باب ضرب يضربُ.

(ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) القرشي المخزومي، سمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة مؤتة سيف من سيوف الله، رُوِيَ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر حديثًا للبخاري منها واحد، كان من المشهورين بالشَّجاعة والرِّياسة، وآثاره في إعلاء كلمة الله تعالى كثيرة، وهو الذي افتتح دمشق، مات بحمص سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر رضي الله عنه، وعنه لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف.

(مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ) بكسر الهمزة وسكون الميم وفتح الراء؛ أي من غير تأمير من النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَفُتِحَ لَهُ) على البناء للمفعول.

قال الخطَّابي لمَّا نظر خالد بعد موتهم إلى كثرة العدو وشدَّة بأسهم، وخاف ضياع الأمر وحصول الفساد وهلاك من معه من المسلمين تصدَّى للإمارة عليهم، وأخذ الرَّاية من غير تأمير، وقاتل إلى أن فتحَ الله على المسلمين، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله إذ وافق الحق، وإن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن، ولا من القوم الذين معه بيعة وتأمير، فصار هذا أصلًا في الضَّرورات إذا وقعت في معاظم أمور الدِّين في أنَّها لا يراعى فيها شرائط أحكامها عند عدم الضَّرورة.

وكذا في حقوق آحاد أعيان النَّاس مثل أن يموتَ رجل بفلاة، وقد خلَّف تركة فإنَّ على مَنْ شهده

ج 6 ص 188

حِفْظَ ماله وإيصاله إلى أهله، وإن لم يوصِ المتوفَّى بذلك، فإن النَّصيحة واجبة للمسلمين، انتهى.

وحاصله أنَّه إذا عظم الأمر واشتدَّ الخوفُ سَقطتْ مراعاةُ الشَّرائط.

وهذا الحديث من أعلام النبوَّة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أخبر بإصابتهم في المدينة وهم بمؤتة، وكان كما قال صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث جواز دخول الحظر في الوكالات وتعليقها بالشَّرائط. وفيه جواز البكاء على الميت. وفيه أنَّ الرَّحمة التي تكون في القلب محمودة. وفيه جواز تولِّي أمر قوم من غير تولية إذا خيف ضياعه، وحصول الفساد بتركه، كما مرَّ.

وقد أخرج البخاري هذا الحديث في «الجهاد» [خ¦2798] ، و «علامات النبوَّة» [خ¦3630] ، و «فضل خالد» [خ¦3757] ، و «المغازي» أيضًا [خ¦4262] ، وأخرجه النَّسائي في «الجنائز» .

قال الزَّين ابن المُنيِّر وجه دخول قصَّة الأمراء في التَّرجمة أنَّ نعيهم كان لأقربائهم وللمسلمين الذين هم أهلهم من جهة الدِّين.

تتمَّة قال ابنُ العربي يؤخذُ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات في النَّعي

الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصَّلاح فهذه سنَّة.

الثَّانية دعوة الجفلى [1] للمفاخرةِ فهذه مكروهة.

الثَّالثة الإعلام بنوع آخر كالنِّياحة ونحوها فهذه حرام، والله أعلم.

[1] في فتح الباري وكوثر المعاني دعوة الحفل والجفلى هي المأدبة التي يدعى إليها عامة الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت