فهرس الكتاب

الصفحة 1967 من 11127

1245 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويس عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت مالك بن أنس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري.

(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ) أي أخبر أصحابه بموته، والنَّجاشي _ بفتح النون وكسرها _ كلمة حبشية تسمَّى بها ملوكها، والمتأخِّرون يلقبونهم الآن بالأبجري. وقال ابنُ قتيبة هو بالنَّبطية، ذكره ابنُ سِيْدَه.

وفي «الجامع» للقزَّاز هو بكسر النون، يجوز أن يكون من نجشَ، إذا أوقد. وفي «الفصيح» النَّجاشي بالفتح،

ج 6 ص 178

والمشهور تشديد الياء، قيل والصَّواب تخفيفها، كذا قاله أبو الخطَّاب.

وفي «سيرة ابن إسحاق» اسمُه أصحمة، ومعناه عطيَّة. وقال أبو الفرج أَصْحَمة، بفتح الهمزة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين.

ووقع في «مسند ابن أبي شيبة» في هذا الحديث صَحْمة _ بفتح الصاد وإسكان الحاء _ قال هكذا قال لنا يزيد بن هارون، وإنَّما هو صمحة _ بتقديم الميم على الحاء _ قال وهذان شاذَّان.

وفي «التَّلويح» أخبرني غيرُ واحدٍ من نبلاء الحبشة أنهم لا ينطقون بالحاء على صرافتها، وإنَّما يقولون في اسم الملك أَصْمخة، بتقديم الميم على الخاء المعجمة. وذكر السُّهيلي أن اسم أبيه بجري، بغير همزة.

وفي كتاب «الطَّبقات» لابن سعد لمَّا رجع النَّبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية سنة ستٍّ أرسل إلى النَّجاشي سنة سبع في المحرم عمرَو بنَ أميَّة الضَّمري فأخذ كتاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعًا، ثمَّ أسلم وكتب إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأنَّه أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وتوفِّي في رجب سنة تسع منصرفه من تبوك.

فإن قيل وقع في «صحيح مسلم» كتب النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى النَّجاشي وهو غير النَّجاشي الذي صلَّى عليه.

فالجواب أنَّه يحمل على أنَّه لما توفِّي قام مقامه آخر، فكتب إليه صلى الله عليه وسلم.

(فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى) مع أصحابه، وذكر السُّهيلي من حديث سلمة بن الأكوع أنَّه صلى عليه بالبقيع (فَصَفَّ بِهِمْ) «صف» هنا لازمٌ والباء في «بهم» بمعنى مع.

ويحتملُ أن يكون متعديًا والباء زائدة للتأكيد؛ أي صفَّهم؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الإمام متقدم فلا يوصف بأنه صاف معهم، وليس في هذا الحديث ذكر كم صفًا صفهم، وفيه دليل على أنَّ سنَّة هذه الصَّلاة الصف كسائر الصَّلوات.

وروى التِّرمذي من حديث مالك بن هبيرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صَلَّى عليه ثلاثُ صفوف فقد أوجب ) )أي وجبت له الجنَّة أو المغفرة.

وروى النَّسائي من رواية الحكم بن فروخ قال صلَّى بنا أبو المليح على جنازة فظنَّنا أنَّه كبر، فأقبلَ علينا بوجهه، وقال أقيموا صفوفَكم وليحسنْ شفاعتكم.

قال أبو المليح حدَّثني عبد الله عن إحدى أمَّهات المؤمنين، وهي ميمونة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم قالت أخبرني النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ما من ميِّت يصلِّي عليه أمَّة من النَّاس إلَّا شفِّعوا فيه ) )

ج 6 ص 179

فسألتُ أبا المليح عن الأُمَّة قال أربعون.

(وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) منها تكبيرة الإحرام.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث النَّظر إلى مجرَّد النَّعي، كذا قال العيني. وقال الكرماني المؤمنون أهل النَّجاشي من حيث أخوة الإسلام.

وتعقَّبه العيني بأنَّ «الأهل» لا يستعملُ عرفًا في أخوَّة الإسلام كما مرَّ [خ¦1245] ، اللَّهم إلا إذا ارتكب المجاز فيه.

وقال الحافظُ العسقلاني إنَّ النَّجاشي كان غريبًا في ديار قومه، فكان للمسلمين أخًا فكانوا أخصَّ به من قرابته. ويحتملُ أن يكون بعض أقرباء النَّجاشي كان بالمدينة حينئذٍ ممَّن قدم مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الحبشة كذي مخمر ابن أخي النَّجاشي، والله أعلم.

وقد أخرج هذا الحديث مسلم، وأبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه في «الجنائز» أيضًا.

وفي الحديث إباحة النَّعي وهو أن ينادى في النَّاس أنَّ فلانًا مات ليشهدوا جنازته.

قال بعض أهل العلم لا بأس أن يعلم الرَّجل قرابته وإخوانه، وروي ذلك عن إبراهيم.

وقال الشَّيخ زين الدِّين إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقائه استحسنه المحققون، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم.

وذكر صاحب «الحاوي» من الشَّافعية وجهين في استحباب النِّداء بالميِّت، وإشاعة موته بالنِّداء. فاستحبَّ ذلك بعضهم للغريب والقريب؛ لما فيه من كثرة المصلِّين عليه والدَّاعين له. وقال بعضهم يستحبُّ ذلك للغريب ولا يستحبُّ لغيره.

وقال النَّووي والمختار استحبابه مطلقًا إذا كان مجرد إعلام. وفي «التَّوضيح» وقال صاحب «البيان» من أصحابنا يكره نعي الميِّت وهو أن يُنادى عليه في النَّاس أنَّ فلانًا قد مات ليشهدوا جنازته، وفي وجه حكاه الصَّيدلاني لا يكره. وفي «حلية الرَّوياني» من أصحابنا [1] الاختيار أن ينادي به ليكثر المصلُّون.

وقال ابن الصَّباح قال أصحابنا يكره النِّداء عليه ولا بأس أن يعلم أصدقاءه، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة لا بأس به، ونقله العبدري عن مالك أيضًا.

ونقل ابن التِّين عن مالك كراهة النِّداء بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق؛ لأنَّه من النَّعي قال علقمةُ بن قيس النِّداء بالجنائز من النَّعي، وهو من أمر الجاهلية.

وقال البيهقيُّ وروي النَّهي أيضًا عن ابن عمر وابن سعد وسعيد بن المسيَّب وعلقمة وإبراهيم النَّخعي والرَّبيع بن خُيَثم، انتهى.

وروي أيضًا عن أبي وائل وأبي ميسرة وعلي بن الحسين وسويد بن غَفَلة ومطرِّف بن عبد الله ونصر بن عمران أبي جمرة.

ج 6 ص 180

وروى التِّرمذي من حديث حذيفة رضي الله عنه أنَّه قال إذا متُّ فلا تؤذِنوا بي أحدًا فإنِّي أخاف أن يكون نعيًا، إنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنيَّ هاتين ينهى عن النَّعي. وقال هذا حديث حسن.

وروي أيضًا من حديث عبد الله عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إيَّاكم والنَّعي، فإنَّ النَّعي من أمر الجاهليَّة ) )وقال حديث غريب. والمجوِّزون احتجُّوا بحديث الباب، وبما ورد في «الصَّحيح» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نعى للنَّاس زيدًا وجعفرًا.

وفي «الصَّحيح» أيضًا قول فاطمة رضي الله عنها حين توفِّي النَّبي صلى الله عليه وسلم وا أبتاه من ربِّه ما أدناه، وا أبتاه إلى جبريل ينعاهُ.

وفي «الصَّحيح» أيضًا في قصَّة الرَّجل الذي مات ودفن ليلًا فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أفلا كنتم آذنتموني ) )فهذه الأحاديث دالة على جواز النَّعي، والمنهي إنَّما هو نعي الجاهليَّة الذي يشتمل على ذكر المفاخر والمناقب، كما مرَّ [خ¦1245] .

فإن قيل إنَّ حديث النَّجاشي لم يكن نعيًا، وإنَّما كان مجرَّد إخبار بموته فسمِّي نعيًا لشبهه به في كونه إعلامًا، وكذا القول في زيد وجعفر.

فالجواب أنَّ الأصل هو الحقيقة على أنَّ حديث النجاشي أصح من حديث حذيفة رضي الله عنه وعبد الله رضي الله عنه.

فإن قيل قال ابن بطَّال إنَّما نعى النَّبي صلى الله عليه وسلم النَّجاشي وصلَّى عليه؛ لأنَّه كان عند بعض النَّاس على غير الإسلام، فأراد إعلامهم بصحَّة إسلامه.

فالجواب أنَّ نعيه صلى الله عليه وسلم [2] زيدًا وجعفرًا وغيرهما رضي الله عنهم يردُّ ذلك.

وفي الحديث أيضًا أنَّه لا يُصلَّى على الجنازة في المسجد؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموته في المسجد، ثمَّ خرج مع المسلمين إلى المصلَّى، وهو مذهب أبي حنيفة أنَّه لا يُصلّى على ميِّت في مسجد جماعة. وبه قال مالك وابن أبي ذئب. وعند الشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه. واحتجُّوا بما روى ابن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أنَّه لما توفي أَمرت عائشة رضي الله عنها بإدخال جنازته المسجد حتى صلَّى عليها أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قالت هل عاب النَّاس علينا ما فعلنا؟ فقيل لها نعم فقالت ما أسرع ما نسوا، ما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة سُهَيل بن البيضاء إلَّا في المسجد. رواه مسلم.

واحتجَّ أصحابنا الحنفيَّة بحديث ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صلَّى على ميِّت في المسجد فلا شيءَ له ) )رواه

ج 6 ص 181

أبو داود بهذا اللَّفظ، ورواه ابن ماجه ولفظه (( فليس له شيء ) ).

وقال الخطيب المحفوظ (( فلا شيء له ) )، وروي (( فلا شيء عليه ) )، وروي (( فلا أجر له ) ).

وقال ابن عبد البر رواية (( فلا أجر له ) )خطأ فاحشٌ، والصَّحيح (( فلا شيء له ) ). ورواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» بلفظ (( فلا صلاة له ) ).

فإن قيل روى ابن عدي في «الكامل» هذا الحديث وعدَّه من منكرات صالح، ثمَّ أسند إلى شعبة أنَّه كان لا يروي عنه وينهى عنه، وإلى مالك لا تأخذوا منه شيئًا فإنَّه ليس بثقة، وإلى النَّسائي أنَّه قال فيه ضعف.

وقال ابن حبَّان في كتاب «الضُّعفاء» اختلط في آخره ولم يتميَّز حديثه من قديمه، فاستحقَّ الترك، ثمَّ ذكر له هذا الحديث وقال إنَّه باطل، وكيف يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلَّى على سُهَيل بن البيضاء في المسجد.

وقال البيهقيُّ صالح مختلفٌ في عدالته كأنَّ مالك يجرحه. وقال النَّووي إنَّه ضعيف لا يصحُّ الاحتجاج به. قال أحمدُ بن حنبل هذا حديث ضعيفٌ تفرَّد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف.

وقال النَّووي أيضًا إنَّ الذي في النُّسخ المشهورة المسموعة من «سنن أبي داود» (( فلا شيء عليه ) )فلا حجَّة فيه، وأنَّ اللام فيه يجوز أن تكون بمعنى «على» ، كما في قوله تعالى {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء 7] ؛ أي فعليها، جمعًا بين الأحاديث.

فالجواب من وجوه

الأوَّل أنَّ أبا داود روى هذا الحديث وسكت عنه، وهذا دليل رضاه به، وأنَّه صحيحٌ عنده.

الثَّاني أنَّ يحيى بن معين وهو فيصل في هذا الباب قال صالح ثقة إلَّا أنَّه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجَّة، وممَّن سمع منه قبل الاختلاط ابن أبي ذئب.

الثَّالث أنَّه قال ابن عبد البر منهم من يقبل عن صالح ما رواه ابن أبي ذئب خاصة.

الرَّابع أنَّ غالب ما ذكر فيه تحامل، ومن ذلك قول النَّووي أنَّ الذي في النُّسخ المشهورة المسموعة من «سنن أبي داود» (( فلا شيء عليه ) )، فإنَّه يردُّه قول الخطيب المحفوظ (( فلا شيء له ) )، وقول السَّروجي، وفي «الأسرار» (( فلا صلاة له ) ). وفي المرغيناني (( فلا أجر له ) ).

ومن تحاملهم جعل اللام بمعنى «على» بالتحكُّم من غير دليل ولا داع إلى ذلك، ولاسيَّما أنَّ المجاز عندهم ضروري لا يصار إليه إلَّا عند الضَّرورة، ولا ضرورةَ هاهنا، وأقوى ما يردُّ كلامه هذا رواية ابن أبي شيبة (( فلا صلاة له ) )فلا يمكن له أن يقول اللام بمعنى «على» لفساد المعنى.

الخامس أنَّ قول ابن حبَّان هذا باطلٌ، جرأةٌ منه على تبطيل

ج 6 ص 182

الصَّواب، فكيف يقول هذا القول، وقد رواه أبو داود وسكت عنه فأقل الأمر أنَّه عنده حسن؛ لأنَّه رضي به وحاشاه من أن يَرضى بالباطل.

السَّادس ما قاله الجهبذ النَّقاد الإمام أبو جعفر الطَّحاوي رحمه الله ملخَّصًا أنَّ الرِّوايات لما اختلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب يحتاج إلى الكشف ليعلم المتأخِّر منها فيجعل ناسخًا لما تقدَّم، فحديث عائشة رضي الله عنها إخبار عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال الإباحة التي لم يتقدَّمها شيء.

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه إخبار عن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدمه الإباحة فصارَ ناسخًا لحديث عائشة رضي الله عنها، وإنكار الصَّحابة عليها ممَّا يؤكِّد ذلك، وهذا النَّسخ من قبيل النَّسخ بدَلالة التاريخ وهو أن يكون أحد النَّصين موجبًا للحظر، والآخر موجبًا للإباحة، ففي مثل هذا يتعيَّن المصير إلى النَّص الموجب للحظر؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة والحظر طار عليها فيكون متأخِّرًا عنها، ولم يجعل الأمر بالعكس لئلا يلزم النَّسخ مرَّتين وهو ظاهر.

فإن قيل ليس بين الحديثين مساواة، فلا تعارضَ، فلا يحتاج إلى التَّوفيق.

فالجواب أنَّه ظهر لك صحَّة حديث أبي هريرة رضي الله عنه من الوجوه التي ذكرت فثبت التَّعارض.

فإن قيل قد أخرج مسلم حديث عائشة رضي الله عنها ولم يخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

فالجواب أنَّه لا يلزم من ترك مسلم تخريجه عدم صحَّته؛ لأنَّه لم يلتزم بإخراج كل ما صحَّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك البخاري، ولئن سلَّمنا ذلك وأنَّ حديث أبي هريرة رضي الله عنه لا يخلو عن كلام، فكذلك حديث عائشة رضي الله عنها لا يخلو عن كلام؛ لأنَّ جماعة من الحفَّاظ مثل الدَّارقطني وغيره عابوا مسلمًا على تخريجه إيَّاه مسندًا؛ لأنَّ الصَّحيح أنه مرسل، كما رواه مالك والماجشون عن أبي النَّضر عن عائشة مرسلًا، والمرسل ليس بحجَّة عندهم.

وقد أوَّل بعض أصحابنا حديث عائشة رضي الله عنها بأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما صلَّى في المسجد بعذر المطر، وقيل بعذر الاعتكاف. وعلى كلِّ تقدير الصَّلاة على الجنازة خارج المسجد أولى وأفضل بل أوجب للخروج عن الخلاف لاسيما في باب العبادات، ولأنَّ المسجد بني لأداء الصَّلوات المكتوبة فيكون غيرها في خارج المسجد أولى وأفضل.

وفي الحديث أيضًا جواز الصَّلاة على الغائب كما ذهب إليه الشَّافعي وأحمد.

ج 6 ص 183

قال النَّووي فإن كان الميِّت في البلد فالمذهب أنَّه لا يجوز أن يصلَّى عليه حتَّى يحضر عنده، وقيل يجوز. وفي الرَّافعي ينبغي أن لا يكون بين الإمام والميِّت أكثر من مائتي ذراع أو ثلاثمائة تقريبًا.

وقال الخطَّابي النَّجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق نبوَّته إلَّا أنَّه كان يكتُم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلُّوا عليه إلَّا أنَّه كان بين ظهراني أهل الكفر، ولم يكن بحضرته من يقوم بحقِّه في الصَّلاة عليه، فلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعلَ ذلك، إذ هو نبيه ووليه وأحقُّ النَّاس به، فهذا والله أعلم هو السَّبب الذي دعاه إلى الصَّلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قُضِيَ حقَّه من الصَّلاة عليه، فإنَّه لا يُصلِّي عليه من كان ببلدٍ آخر غائبًا عنه، [و] إن علم أنَّه لم يُصلَّ عليه لعائق أو مانعٍ عذر كان السنَّة أن يُصلَّى عليه، ولا يترك ذلك لبعد المسافة، فإذا صلُّوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجَّهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهةِ القبلة.

وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصَّلاة على الميِّت الغائب، وزعموا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصًا بهذا الفعل إذ كان في حكم الشَّاهد للنَّجاشي؛ لما روي في بعض الأخبار أنَّه قد سوِّيت له الأرض حتَّى يبصرَ مكانه، وهذا تأويلٌ فاسد؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئًا من أفعال الشَّريعة كان علينا اتباعه والاتِّساء به، والتَّخصيص لا يعلم إلَّا بدليل، وممَّا يبيِّن ذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم خرج بالنَّاس إلى المصلَّى فصفَّ بهم وصلُّوا معهم، فعلم أنَّ هذا التَّأويل فاسد، انتهى ما قاله الخطَّابي.

وأنت خبير بأنَّه تشنيع على الحنفيَّة أيَّدهم الله من غير توجيه ولا تحقيق، ودفعه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رفع له سريره على طريق خرق العادة فرآه، فتكون الصَّلاة عليه كالصَّلاة على ميِّت رآه الإمام، ولا يراه المأموم وليس ذلك مجرَّد احتمال بل له بيِّنة، وهي ما رواه ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ أخاكم النَّجاشي توفِّي فقوموا صلُّوا عليه ) )فقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفُّوا خلفه فكبَّر أربعًا وهم لا يظنُّون إلَّا أنَّ جنازته بين يديه.

وجواب آخر أنَّه من باب الضَّرورة؛ لأنَّه مات بأرضٍ لم تقم فيها عليه فريضة الصَّلاة، فتعيَّن

ج 6 ص 184

فرض الصَّلاة عليه صلى الله عليه وسلم لعدم من يصلِّي عليه ثمَّة.

ويدلُّ على ذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على غائبٍ غيره، وقد مات من الصَّحابة خلقٌ كثيرٌ وهم غائبون عنه صلى الله عليه وسلم وسَمِعَ بهم، فلم يصلِّ عليهم إلَّا غائبًا واحدًا، ورُدَّ أنَّه طويت له الأرض حتَّى حضره وهو معاوية بن معاوية المزني روى حديثه الطَّبراني في «معجمه الأوسط» وكتاب «مسند الشَّاميين» قال حدَّثنا علي بن سعيد الرازي حدَّثنا نوح بن عمير السَّكسكي حدَّثنا بقيَّة بن الوليد، عن محمَّد بن زياد الألهاني، عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال (( كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فنزل عليه جبريل عليه السَّلام فقال يا رسول الله إنَّ معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة أتحبُّ أن تطوى لك الأرض فتصلِّي عليه؟ قال نعم، فضرب بجناحه الأرض ورفع له سريره، فصلَّى عليه وخلفه صفَّان من الملائكة في كلِّ صفٍ سبعون ألف ملك، ثمَّ رجع وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السَّلام بم أدركَ هذا؟ قال بحبِّه سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، وقراءته إيَّاها جائيًا وذاهبًا، وقائمًا وقاعدًا، وعلى كلِّ حال ) )انتهى.

فإن قيل قد صلَّى على اثنين أيضًا وهما غائبان زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، أخرج الواقدي في كتاب «المغازي» قال حدَّثني محمَّد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدَّثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر قالا (( لمَّا التقى النَّاس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكُشِفَ له ما بينه وبين الشَّام فهو ينظر إلى معتركهم، فقال صلى الله عليه وسلم أخذ الرَّاية زيد بن حارثة فمضى حتَّى استشهد وصلَّى عليه ودعا له، وقال استغفروا له، وقد دخل الجنَّة وهو يسعى، ثمَّ أخذ الرَّاية جعفر بن أبي طالب فمضى حتَّى استشهد فصلَّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له، وقال استغفروا له وقد دخل الجنَّة فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء ) ).

فالجواب أنَّه مرسل من الطَّريقين المذكورين، والمرسل ليس بحجَّة عندهم على أنَّهم يقولون في الواقدي مقال.

وقال صاحب «التَّوضيح» في معرض التَّحامل ومن ادَّعى أنَّ الأرض طويت له حتَّى شاهده لا دليل عليه، وإن كانت القدرة صالحة لذلك، فكأنَّه لم يطَّلع على ما رواه ابن حبَّان والطَّبراني وقد ذكر آنفًا.

ووقع في كلام ابن بطَّال تخصيص ذلك بالنَّجاشي وقال ولم أجد لأحدٍ من العلماء إجازة الصَّلاة على الغائب

ج 6 ص 185

إلَّا ما ذكره ابن زيد عن عبد العزيز بن سلمة فإنَّه قال إذا استؤذن أنَّه غرق أو قُتِل أو أكلته السِّباع ولم يُوجَد منه شيء صُلِّي عليه، كما فعل النَّجاشي، وبه قال ابن حبيب.

وقال ابنُ عبد البر أكثر أهل العلم يقولون إنَّ ذلك مخصوص به، وأجازه بعضهم إذا كان في يوم الموت أو قريب منه.

وفي «المصنَّف» عن الحسن أنَّه دعا له ولم يصلِّ عليه، والله أعلم.

وفي الحديث أيضًا أنَّ التَّكبير على الجنازة أربعة، وصرَّح بذلك في الحديث وهو آخر ما استقرَّ عليه أمره صلى الله عليه وسلم. وقال ابن أبي ليلى يكبِّر خمسًا وإليه ذهبت الشِّيعة، وقيل ثلاث قاله بعض المتقدِّمين وقيل أكثره سبع، وأقلُّه ثلاث ذكره القاضي أبو محمَّد. وقيل ست ذكره ابن المنذر عن علي رضي الله عنه.

وعن أحمد لا ينتقص من أربع، ولا يزاد على سبع. وقال ابن مسعود رضي الله عنه يكبِّر ما كبَّر إمامه، وروى مسلم من حديث عبد الرَّحمن بن أبي ليلى قال كان زيد بن أرقم يكبِّر على جنائزنا أربعًا، وإنَّه كبر على جنازة خمسًا فسألته فقال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يكبِّرها. ورواه أيضًا أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه والطَّحاوي.

وقال ذهب قوم إلى أنَّ التكبير على الجنائز خمس، وأخذوا بهذا الحديث، وأراد بالقوم هؤلاء عبد الرَّحمن بن أبي ليلى وعيسى مولى حذيفة وأصحاب معاذ بن جبل وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة وإليه ذهبت الظَّاهرية والشِّيعة.

وفي «المبسوط» وهي رواية عن أبي يوسف. وقال الحازمي وممَّن رأى التَّكبير على الجنازة خمسًا ابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم.

وقالت فرقة يكبِّر سبعًا، روي ذلك عن زرِّ بن حُبَيش [3] ، وقالت فرقة يكبِّر ثلاثًا. روي ذلك عن أنس وجابر بن زيد رضي الله عنهما. وحكاه ابن المنذر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وقال الطَّحاوي وخالفهم في ذلك آخرون، وأراد بهم محمَّدَ بنَ الحنفية وعطاء بن أبي رباح وابن سيرين والنَّخعي وسويد بن غفلة والثَّوري وأبا حنيفة ومالكًا والشَّافعي وأحمد وأبا مجلز لاحق بن حميد.

ويحكى ذلك عن عمر بن الخطَّاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وجابر وابن أبي أوفى والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبي هريرة وعقبة بن عامر رضي الله عنهم.

ولم يذكر التَّسليم هنا في حديث النَّجاشي،

ج 6 ص 186

وذكر في حديث سعيد بن المسيَّب من رواية ابن حبيب عن مطرف عن مالك، واستغربه ابن عبد البر قال إلَّا أنَّه لا خلاف علمته بين العلماء من الصَّحابة والتَّابعين فمن بعدهم من الفقهاء في السَّلام منها، وإنَّما اختلفوا هل هي واحدة أو اثنتان، فالجمهور على تسليمة واحدة، وهو أحد قولي الشَّافعي. وقالت طائفة تسليمتان، وهو قول أبي حنيفة والشَّافعي وهو قول الشَّعبي أيضًا ورواية عن إبراهيم، وممَّن رُوِيَ عنه واحدة عمر وابنه عبد الله وعلي وابن عبَّاس وأبو هريرة وجابر وأنس وابن أبي أوفى وواثلة رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير وعطاء وجابر بن زيد وابن سيرين والحسن ومكحول وإبراهيم في رواية.

وقال ابن التِّين وسأل أشهب مالكًا أتكره السَّلام في صلاة الجنائز؟. قال لا وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يسلِّم قال فاستِنادُ مالكٍ إلى فعل ابن عمر دليلٌ على أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يسلِّم في صلاته على النَّجاشي ولا على غيره.

[1] في هامش الأصل أي الشافعية. منه.

[2] من قوله (( النجاشي وصلى. .. إلى قوله صلى الله عليه وسلم ) )ليس في (خ) .

[3] قوله (( وقالت فرقة يكبر سبعًا، روي ذلك عن زر بن حبيش ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت