ولا تحرص الوثيقة الجديدة على بناء تحالفات دولية أو الرجوع إلى أروقة المؤسسات الأممية، فهي تؤكد أنها لن تنتظر الحلفاء وأنها ستتحرك وحدها وبمفردها باعتبارها القوة العظمي الوحيدة في العالم ، ويضع هذا المبدأ الجديد العالم على أبواب فوضى عالمية غير مسبوقة؛ ذلك لأنه يفتح الباب واسعا ً للدول الأخرى أن تعتمد الحرب الاستباقية في مواجهة أعدائها ، كما أنه يعتبر الحرب الاستباقية هذه دفعا لعدوان متوهم وهو ما يهدد بقوة تعريف القانون الدولي لإباحة استخدام القوة في حالة وقوع عدوان فعلًا.. وفي هذا السياق كتب وزير الخارجية الفرنسي"دومينيك دو فيلبان"مقالًا هامًا في الأهرام 3 أكتوبر الفائت بعنوان"العراق: يجب عدم القفز فوق المراحل"أوضح فيه خطر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، وقال:"ما يزال الاستقرار مطلبا استراتيجيا، وإذا ما كان نزع التسلح العراقي يمثل أمرًا يلزم تحقيقه فيجب أن يتم في ظروف تعزز النظام الدولي دون إضافة عوامل جديدة للفوضى في منطقة تعاني أصلا من وجود مفرط لهذه العوامل ودون فرض مخاطر جديدة للمواجهات في هذه المنطقة التي تعاني من الشقاقات ، وبالنسبة لفرنسا فإن النظام ليس معناه الضعف أو العجز ولكن إعمال الإرادة ووضوح الرؤية لمصلحة تسوية دائمة للأزمات".
إن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ترفض أي منافسة لها على المستوى العسكري، فهي وحدها فقط القوة التي لا تدانيها قوة أخرى، ولا يجب أن تدخل أي دولة مهما كانت في تنافس عسكري معها؛ ولذا فإنها تنصح دولًا مثل الصين في تحويل إنفاقها العسكري إلى الاقتصاد .
وبالطبع فإن أي استراتيجية تتضمن جانبا عسكريا وجانبا قيميا متصلا بالدفاع عن قيم الأمة التي تضع هذه الاستراتيجية، وهذا هو المقصود مما نكتبه .. فما هي الأبعاد القيمية التي تتضمنها الوثيقة ؟ وماهي القيم التي تراها الوثيقة معادية لها ويجب تغييرها ؟
الأبعاد الثقافية في الاستراتيجية الجديدة
تتحدث الاستراتيجية الجديدة عن ضرورة تكريس قيم الحرية والحفاظ على الكرامة الإنسانية والدعاية لقيم الديموقراطية والليبرالية الاقتصادية والتي تعني السوق المفتوح والمجتمع المفتوح، وهي لا تسعى لتكريس هذه القيم في المجتمعات الغربية أو المسيحية وإنما تعمل على فرضها فرضًا ـ وبالقوة إذا اقتضى الأمر ـ ولكن أين ؟ في العالم الإسلامي.. فهو العالم الذي يمثل تحديًا للحضارة الغربية والقيم الأمريكية ، وجاء بالنص في الوثيقة"سوف تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية والاقتصادية لتشجيع قيام المجتمعات الحرة والمفتوحة وستفعل كل ما في وسعها للمحافظة على وضعها بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم والتركيز على استخدام المعونة الأمريكية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لكسب معركة القيم والأفكار المتنافسة ،بما في ذلك معركة مستقبل العالم الإسلامي."
أي أن مستقبل العالم الإسلامي يمثل قلب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، واليمين الأمريكي الحاكم يتصور أن صياغة مستقبل المسلمين من جديد لا يمكن أن تتم السيطرة عليه إلا عبر السيطرة على الأفكار التي يرونها سلفية أو كما يطلقون وهابية ، وطرح أفكار جديدة تمنع ظهور أجيال جديدة من الإسلاميين الذين يكرهون أمريكا ويسعون لشن حرب عليها .
ومن ثم فإن ما صرحت به مستشارة الأمن القومي الأمريكي"كوندليزا رايس"في حوار مع الفايننشال تايمز الأسبوع الماضي وقالت فيها: إن أمريكا هي قوة تحرير للعراق والعالم الإسلامي، وإن هذه القوة يجب ألا تتوقف عند حدود هذا العالم فقط". وقالت:"هناك عناصر إصلاحية في العالم الإسلامي نسعي لدعمها"!!"
وهذا هو نفسه عين ما أعلنته الاستراتيجية الأمريكية الجديدة حيث قالت: علينا خوض معركة موازية ضد الأفكار في العالم الإسلامي ، وهنا فنحن لا نطبق صدام الحضارات لكنه صدام داخل حضارة واحدة هي الحضارة الإسلامية، وهذه المعركة هي التي ستحدد مصير مجتمعاته .
ومن ثم فقيم الإسلام ومستقبل العالم الإسلامي كله هو الرأس المطلوب في هذه المعركة التي بدأتها أمريكا من أفغانستان وفلسطين وتسعي لتنفيذها في العراق، ولا ندري من ستقصده بعد ، والمؤكد هنا أن المعركة ليست سياسية كما كان الأمر في الماضي حيث خاض آباؤنا معارك تحرير مجتمعاتنا من الاستعمار، كما أن المعركة ليست اقتصادية حيث خاض آباؤنا أيضا معارك للتحرر الاقتصادي والاجتماعي، ولكنها معركة ثقافية المقصود فيها عقائد المسلمين وثقافتهم بل ومستقبلهم ، والثقافة هى الجوهر والروح التي تكسب البشر هويتهم ووجودهم ، وهى التي تمنحهم الطاقة للمواجهة والمدافعة والمعركة القادمة هي معركة الثقافة والحضارة الإسلامية
الحضارات .. حوار أم صراع
(الشبكة الإسلامية) لندن ـ حافظ الكرمي
ركز العدد الجديد من مجلة"الإسلام اليوم"على تناول قضية حوار الحضارات وتفاعلاتها وأبعادها. إذ يتضمن العدد الجديد من هذه المجلة الفكرية التي تصدر بالعربية والإنجليزية والفرنسية عن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة"إيسيسكو"، دراسة للدكتور محمد عابد الجابري حول"مصداقية حوار الحضارات"، ودراسة للدكتور عبد الهادي بوطالب بعنوان"عالمية الإسلام ونداؤه للسلام ودعوته للتعايش والاعتراف بالآخر". كما يشتمل العدد على مقال للدكتور أحمد عرفات القاضي حول"الحضارات، حوار أم صراع؟ رؤية إسلامية".
ويتضمن عدد"الإسلام اليوم"دراسة للدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري بعنوان"مفهوم التنوير في التصوّر الإسلامي"، بينما يستعرض الدكتور مفيد الزيدي في العدد الجديد"الإسلام في الصين: انبعاث الحاضر وآفاق المستقبل".
وعالجت افتتاحية العدد موضوع"تصحيح صورة الإسلام"، وجاء فيها:"لقد تَزَايَدَ الاِقتناع في هذه المرحلة، بأن صورة الإسلام في الغرب، لا تعكس حقائق هذا الدين الحنيف، ولا تعبّر عن مبادئه السمحة، ولا تبرز خصائصه ومقوّماته وقيمه. وتَتَعدَّدُ الأسباب التي أدّت إلى هذا الضرب من التشويه لصورة الإسلام في المجتمعات الغربية، على مختلف المستويات، الرسمية والشعبية والإعلامية والأكاديمية."
ولكن من أهمّ هذه الأسباب ما يعود مصدرُه إلى العوامل المحلية التي تتمثَّل أساسًا، في المخلفات التاريخية التي تَرَاكَمَت عبر العصور لتحجب بكثافتها حقائقَ الأشياء عن العقل الغربي في أكبر عمليةٍ لتزييف التاريخ عرفها الإنسان في العصور جميعًا، مما نشأ عنه تحريفٌ بالغ الإفراط للمفاهيم والتصوّرات عن الإسلام دينًا وثقافةً وحضارةً وتاريخًا وأمةً، ومما أدّى إلى إقامة حواجز عالية حالت، ولا تزال تحول، دون التعرّف على الإسلام والوقوف على حقائقه، والإطلاع الحر على جوانب من ثقافته ومظاهر من حضارته"."
وتضيف الافتتاحية:"على الرغم من أن العقل الغربي قد تحرَّر عبر معارك فكرية متواصلة، من رواسب عديدة كانت تقيّد انطلاقه نحو آفاق المعرفة، وتحول بينه وبين الاِستنارة بأنوار الفكر والعلم، فإنه ظل مكبَّلًا بأصفاد من مخلفات العصور الوسطى المظلمة التي عاشتها أوروبا في زمن كان العالم الإسلاميّ خلالها يعيش في ظل ازدهار الحضارة الإسلامية وتألق العقل الإسلامي، على مستوى رؤيته إلى الإسلام في كل أبعاده، وإلى الإبداع الإسلامي في جميع آماده".