إنّ مفهوم المال في حضارتنا وتراثنا يختلف عما هو عليه في الحضارة الكونية الحديثة , فهو عندنا موجود لخدمة البشر والمجتمع , فكل ثراء لا يزيد من فرص العمل مرفوض , وكل تكديس للثروات مرفوض , فالثروات في حضارتنا العريقة ليست سوى وسيلة من وسائل التكافل الاجتماعي غرضه تحسين مستوى معيشة الأمة والمجتمع ( فرادى وجماعات ) , إذا ما أنفقت في وجوه الخير , خلافًا لما هو عليه الحال في الحضارة الحديثة التي جعلت منها معبودًا يلهث وراءه , ويتقرب إليه , أصحاب النفوس الضعيفة والمهزوزة , ممن أعمت حمى الاستهلاك وتكديس الثروات بصيرتهم , وما عاد من فارق يميزهم عن ( جونتر الرابع ) أو عن القطة الإيطالية المليونيرة ( كيتي ) .
المال في حضارتنا ليس بمقياس على علو منزلة الإنسان , فالمال إذا ما أخذ بغير حق أذل أعناق الرجال وغير المباديء وأفسد الأمور , وقد تم التأكيد والتشديد على تجنب أكل أموال الناس بالباطل والتحايل ( ومن أساليبها الرشوة والتهرب من سداد الدين , وعمليات النصب والاحتيال , وأكل أموال اليتامى , وعدم إعطاء الأجير أجره …وغيرها كثير ) . مع التشديد وعدم التساهل حول ألاّ يدخل مال إلاّ من حلال.
إنّ العودة إلى مناهل تراثنا وحضارتنا أمر لا بد منه للوقوف في وجه حضارة الانحلال الأخلاقي المستشرية , ونظرة حضارتنا إلى المال قد أوضحها لنا أمير المؤمنين الخليفة الراشد ( عمر بن الخطاب ) موضحًا بذلك إحدى أهم الأسس التي بني عليها الاقتصاد الإسلامي , بقوله: (( إنّي لا أجد هذا المال يصلحه إلاّ خلال ثلاث: أن يؤخذ بالحق , ويعطى بالحق , ويمنع من الباطل ) ).
قديمًا قالت العرب: ( عند جهينة الخبر اليقين ) وما عداه باطل الأباطيل وقبض الريح .
حضارتنا تتحدّث
د.عبد المعطي الدالاتي
(( يقول العلامة محمد الغزالي: (( مَن لم يُسهره العلم أيامًا , أسهره الجهل أعوامًا !..
فإلى متى نظل ننامُ في النور , ويستقيظ الأنامُ في الظلام ؟!! )) .
كان لي في كلّ وادْ *** نارُ جمرٍ , لا رمادْ
وصروحٌ شامخاتٌ *** ومناراتٌ تُشادْ
كان يأتي البدرُ ناري *** في عَشِيّاتِ الحصادْ
كان لي وجهٌ تولّى *** نحو من خلقَ العبادْ
كان لي فِكرٌ وشعرٌ *** زانَهُ: (( بانتْ سُعادْ ) )
كان لي جُندٌ تسامَوا *** للمعالي بالجهادْ
كان هارون الرّشيدُ *** حاكمًا كلّ البلادْ
قال يومًا للغمامِ *** (( سرْ: لنا يُجبى الحصادْ ) )
كنتُ في الأرواحِ وعيًا *** وضياءً في الفؤادْ
كنتُ للأشواق دمعًا *** يُستقى منه المدادْ
كنت نورًا للحيارى *** يُرتجى في كلّ نادْ
كنتُ طهرًا, كنت فجرًا *** هل تُرى الذكرى تُعادْ ؟!
يا شبابي فلْتهبّوا *** طالَ واللهِ الرّقادْ
إنما الأمجادُ تُبنى *** في جهادٍ واجتهادْ
"من ديوان"عطر السماء""
قضاة زينوا ساحات القضاء
دأب الغرب العلماني على توجيه الانتقادات للمنهج الإسلامي فيما يتعلق بسجل حقوق الإنسان بالتلميح تارة وبالتصريح تارة أخرى ونسى هذا المشفق على حقوق الإنسان ماضيه الاستعماري الذي قام على قهر الشعوب الضعيفة وسلب خيراتها كما نسى حاضره الذي يقدم النفعية والمصلحة الشخصية على النزعة الإنسانية حتى صارت كلمة حقوق الإنسان شعارًا أجوفا مفرغًا من محتواه العملي ، بل نسى الغرب روعة الإسلام في تحقيق المساواة بين أبنائه أمام الله وأمام القانون ، فلقد ازدان تاريخ القضاء في الإسلام ببدائع من مواقف قضاة العدل وزها بروائع من انصياع خاصة المسلمين وعامتهم لشرع الله ونزولهم عند أحكامه فكان له في العدل السبق والتفرد بين حضارات الدنيا بأسرها.
خطورة منصب القضاء