فهرس الكتاب

الصفحة 853 من 1942

ولئن كانت الأمة قد تعرضت في فترات ماضية إلى الاستعمار والاحتلال العسكري ، ثم بعد ذلك تعرضت إلى الغزو والتخريب الفكري ؛ فإن مايحلّ بالأمة اليوم تجتمع فيه كل شرور الحملات الماضية وكل مخاطر الهجمات السابقة ؛ فإن كان ما سبق حفيًا فإنه اليوم ظاهرًا ولئن كان ما سبق متدرجًا فإنه اليوم شاملٌ ، ولئن كان ماسبق يأتي بشيء من التهاون ؛ فإنه يأتي اليوم قاهرًا ، وذلك في نواحي شتاء لعل وقفتنا اليوم تتناول جانبًا من أخطر هذه الجوانب وأعظمها ضررًا وفتكًا في الأمة ، وأكثرها تأثيرًا في مستقبلها ، وتلكم هي الهجمة على التعليم الإسلامي .

ولعلنا نحتاج إلى وقفات كثيرة في هذه القضية المهمة الحساسة ، فالتعليم عقيدة وديانة وهوية وثقافة وتاريخ وأصالة .. إنه ليس مجرد معلومات تحفظ أو تجارب تؤدي أو مدارس تقام ، أو جامعات تشاد ! إنه فكر يصاب إنه روحُ تصبغ .. إنه هوية تظهر .. إنه تاريخٌ يستعاد وتمتد جسوره ما بين الماضي والحاضر ، بل وتتجاوز ذلك إلى المستقبل .

إن التعليم في كل أمة هو أساس بنائها وقاعدة حضارتها بل وهو أعظم أسباب قوتها ونحن نرى أهمية ذلك بكل ما نراه بواقع الحياة إن كل أمة لا تصوغ مناهجها إلا وفق عقائدها يوم كانت الشيوعية الحمراء ، كان ألف بائها:"لا إله والحياة مادة"، واليوم في الحضارة المادية العمياء إلهها"الدولار والمال"كما هو معلوم في حياة الناس ..كل أمة تتغلب على أمة أول أمرٍ تسعى إلى تغييره وتجديده هو التعليم لتصوغ الأجيال وفق مرادها ، ولتصبغ الأمة باريتها وشعاراتها .

واليوم تنكشف الهجمة العدائية ضد الإسلام مستهدفة التعليم الإسلامي بشكل مكثف وواضح في دعايات جوفا أن هذا التعليم يفرّخ الإرهاب بمفاهيمه المختلة المخلوطة الجائرة ، التي لا تزن الأمور بميزان عدل .

ولنا حديث قد يطول في هذا الأمر عن التعليم الديني وغير الديني عند اليهود في دولة المسخ الإسرائيلية ؛ فإن أولئك القوم في أصول كتبهم التي قد حرّفوها وبدّلوها ، وبالتالي أنشأ هذا التعليم كل صور العدوان التي نراها ، إن هذا التعليم وتلك الثقافة والعقيدة المنحرفة الزائغة هي التي نراها في الظلم الباغي ، و البطش الجائر ، والجبروت الذي لا يراعي حقوق إنسانية ، ولا أعراف دولية ، ولا قوانين أممية ، ولا غير ذلك مما يقال أو يبدع !

ولعلنا نقف عند هذا التعليم نؤكد على خطورته في كل الجوانب التي يتناولها .. إن الذي يقولونه في قضية التعليم الإسلامي والديني كذبٌ مردود عليه بواقع كثير من صور هذه الحياة التي نحياها قد مسخ التعليم - وللأسف - الشديد في كثير من الديار الإسلامية ، بل في بعض البلاد العربية والإسلامية لا يكاد يتخرج الطالب من مراحلها الثانوية بل والجامعية وهو لا يكاد يحسن قراءة قصار السور ، ولا يعرف سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا نزرًا يسيرًا لا يغنيه شيئًا وكذلك عنده من الفلسفات والأضاليل والأباطيل ما شوش على عقله كل صور الإسلام .. فما الذي نتج بعد ذلك ؟ وما الذي أخرجته هذه المناهج الممسوخة ؟ هل أخرجت أمة قوية متماسكة ؟ هل أخرجت أخلاقًا فاضلة ؟ هل أخرجت عقولًا واعية ؟ هل أخرجت قيمًا حضارية كما يزعمونها ؟

أم أننا قد رأينا صور من المجتمعات الإسلامية وقد انسلخت من هويتها وضيعت دينها وأصبحت دليلًا تابعًا للحضارة المادية الغربية الإباحية المعاصرة ، فلا يكاد المرء حين يزور بعض البلاد يفرق بينها وبين بلاد الكفر خمورُ مباحة ، وسفورُ جائرُ وإباحية تكاد تكون أختًا للكفر والعياذ بالله . وماذا بعد ذلك في كل هذه الصور التي غيروها وحرفوها ؟

من أراد الله به خيرًا ومن كانوا يحرصون على دينهم ومن كانوا على عقائدهم لم بجرفهم تلك المناهج ليست القضية في المناهج - وإن كان أثرها عظيم - لكنها في قضية الثبات والاستمساك بالحق ..

ومَثلٌ شاهدُ في الشيوعية التي امتدت سبعين عامًا ،لم تكن تسمح بأحرف من حروف القرآن إن يقرأ أو يتلو - فضلًا عن تعليم ديني - فعن ماذا أسفر الأمر وانتهى ؟ تحطمت الشيوعية وخرج من ركامها ومن تحت أنقاضها ومن الأقبية فتيةٌ صغارٌ ، وشبابٌ يحفظون القرآن ويرددونه ، ويقرأون الكتب الإسلامية ، وقد كانوا في ضلال الشيوعية يوزعون القرآن بين العشرة والعشرين ،كلٌ يأخذ منه جزء يقرؤنه في ظلم الليل في بلاد كانت مهدًا ومقرًا للحضارة الإسلامية والخلافة الإسلامية ، وكانت أول معقل تهدمت فيها هذه الخلافة في العصر الحديث كان في عهد ذلك الطاغية أتاتورك ممنوع أن يؤذّن حتى باللغة العربية وأن تدرّس العلوم الإسلامية ، وأن تتلى آيات القرآنية فكانوا يستيقظون بعد منتصف الليل في الأقبية على يحفظون القرآن أضواء الشموع ، وخرجت أجيال إلى اليوم هي من نتائج تلك الفترات العصيبة .

إن دين الأمة عزيز عليها ، وإن عقيدتها أعظم عندها من أن تقهر بكل الوسائل المادية والفكرية ؛ لأنها مغروسة في أعماق القلوب وأغوار النفوس .. إنها تجري مع الدماء في العروق .. إنها النَفَس الذي يتردد ، ولذلك لا نخشى من هذه الحملات شيئًا ما دامت عقيدتنا في قلوبنا ، وما دمنا نعلم أن نجاتنا في آخرتنا ، وفلاحنا في دنيانا مرتبط بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم .

إن هذه القضية التي يزعمونها والشبهات التي يرددنها كاذبة ! بدليل إن من يصفونهم بالإرهاب وُجِد منهم من هم أبناء جلدتهم ، فهل تعلّم هؤلاء في مدارس المملكة أو تخرجوا من الأزهر أو تلقنوا القرآن في هذه المدارس التي يزعمون أنها إرهابية ؟ من أين جاء أولئك ؟

إن القضية الاعتقادية والعلمي قضية لا تعالج بمثل ذلك ، وإذا رأينا الحق ؛ فإن التعليم الإسلامي المعتدل الذي يعلم القرآن والسنة لا يخرج إلا خيرًا ، إن الوسيطة والاعتدال ثمرة حقيقية نافعة من ثمار التعليم الإسلامي والمنهج الرباني ، وإن الخوف والخشية من الله التي يبذرها ويغرسها المنهج التعليمي الإسلامي هي التي تمنع أصحابها من أن يخالفوا أمر الله وأن يجوروا أو يظلموا حتى مع أعدائهم لقوله تعالى: { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .

وهي - أي هذه المناهج التعليمية - التي تخرج المبادئ الإنسانية والحقيقة الخلقية الفاضلة ، وذلك هو الذي نعرفه في واقع حياتنا ومجتمعنا أن التعليم الإسلامي أصيل في منهجنا أول آية من كتاب ربنا قوله تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } .

منهج التعليم في الوجود كله مضبوط بهذه الآية ، إنه علم وتعليم لكنه باسم الله وعلى منهج الله ، وللغايات التي رسمها منهج الله .. إنه تعليم يرد الخير للبشرية .. إنها قراءة على منهج رباني لا يحيد به المرء والمتعلم والأمة كلها إلى هذا الظلم الذي نراه والحضارة الطاغية الباغية التي نرى صورتها .. إنه منهج يعلمنا أول علم وأشرفه وأعظمه علم الإيمان بالله والاعتقاد الحق به ، وأن هذا العلم هو القاعدة التي ضوئها نعرف الحياة وعلومها وما فيها من خبايا في أرضها ، أو فيها من أمور في سمائها وفضائها: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } .

أول علم هو علم التوحيد وعلم الإيمان وعلم المعرفة الحقيقية الصافية ، التي لا وجود لها اليوم إلا في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت