فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 1942

والمقصود بالتعب والإرهاق هنا، والذي يعبِّر عنه القرآن الحكيم بـ"قسوة القلب"هو التبلد الفكري، والتوقف الذهني، وحسب تعبير بعض المؤرخين: توقف الابداع في عقل الحضارة.

سادسًا: مرحلة التغني بالأمجاد

بعد هذه المرحلة، تبدأ مرحلة الصراعات الداخلية، حيث الأنانيات، والنزاعات القومية، والنعرات العنصرية والطائفية تعصف بتلك الحضارة. وهي مرحلة صعبة، تتشرذم فيها عناصر الحضارة، وربما تصل إلى مشارف النهاية، وبالتالي يسقط الكيان، ويتفتت المجتمع، وتنسى الأفكار.

إلاّ انّ الغرور والكبرياء الناشىء عن الأمجاد السابقة يبقى، لأنّ الأمجاد هي آخر ما ينساها الإنسان، حيث تتجسَّد في إنجازات بعضها ظاهرة كالآثار المعمارية، وبعضها خفيّة كالأحداث التاريخية المروية التي لها خطها في تفسير شيء يسميه بعض المؤرخين بطيف الحضارة، أي آخر مرحلة من إنتهاء هذه الحضارة.

إنّ الحالة العاطفية التي تنبع من الانتماء إلى الأمجاد والمكاسب التاريخية والافتخار بها، تعود لتصنع شيئًا ما، وعادة ما يكون ذلك الشيء دولة كبيرة ظاهرًا، أو ألفاظًا ضخمة، ولكن دون أن يكون فيها أي نوع من الابداع والتطوير أو العطاء أو حمل رسالة حقيقية، وانّما هي فقط طيف الحضارة أو حلمها. هذه المرحلة غالبًا ما تكون قصيرة الأمد، وبعدها ينتهي كل شيء، وبانتهائها، تذهب آخر فرصة لهذه الحضارة في البقاء.

إنّ كل الحضارات عبر التاريخ، وحسب ما يذكر المؤرخون، مرت بهذه المراحل، ولكن هل هذه المراحل حتمية وأنها دائمًا بشكل واحد؟

كلا، إنّها ليست حتمية.. لأن الحضارة يمكنها أن تستوعب تجارب الحضارات الأخرى في أول مراحلها، فتضم إلى روح التضحية والشجاعة والاقدام، الأخذ بالعوامل المادية والسنن الطبيعية التي توصلت إليها الأمم السابقة، ولا تدع مجالًا للغرور أن يصيبها وبذلك يمكنها أن تبقى فترة أطول.

أثر الغرور في الحضارة

وهنا لا بأس أن أعرض تجربتين لبيان أثر الغرور في الحضارة، دون أن أحاول المقارنة الدقيقة، لان الامثلة التي أضربها ليست حضارات وإنّما هي دول، ولكن يمكننا أن نسوقها أمثلة على واقع الحضارات.

المثال الأول: ألمانيا في عهد (بسمارك) حيث كان رئيسًا للوزراء في (بروسيا) فجعل من هذه الولاية نواة لدولة إتحادية كبيرة في أوربا وهي ألمانيا الإتحادية، بفضل جهوده، وبفضل نشاط وحيوية الشعب البروسي.

إلاّ أن بسمارك لم يلبث أن اغترّ بالسكك الحديدية الجديدة، والأسلحة الحديثة، والجيوش المنظمة، والطاعة التامة، والانضباط العسكري الكامل، والتقدم الاقتصادي الذي وصلت اليه ألمانيا الاتحادية، فقام يضرب ذات اليمين وذات الشمال، وخاض حروبًا عديدة إلى أن ضعفت ألمانيا سريعًا وأصبحت دولة عادية، بينما كان بالامكان أن تصبح لفترة طويلة مركز الثقل الحضاري في أوربا.

أما المثال الثاني فهو الولايات المتحدة الأمريكية. فقد عاشت الولايات المتحدة فترة طويلة نسبيًا بعد استقلالها ومزدهرة، والسبب في ذلك أنّ الشعب الأمريكي رفض كل المحاولات التي قامت لإقحامه في الحروب، والتدخل في شؤون الدول الأخرى. فقد رفض وبكل شدة في سنة 1913م النظرية التي دعت إلى إحتلال المكسيك، وقد كان سبب إنتصار (روزفلت) على منافسه الانتخابي هو رفعه شعار إبقاء أمريكا بعيدة عن مشاكل العالم، وقد واجه معارضة من الشعب الامريكي عندما إنحرف عن هذه السياسة، وقام بمحاولات عديدة لادخال الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.

لقد كان الامريكيون يعلمون ماذا يعني التدخل العسكري هنا وهناك، وتحمّل مشاكل (لا ناقة لهم فيها ولا جمل) وكانوا يعرفون بالضبط ماذا يعني ذلك، وكانت ذاكرتهم لا تزال تحتفظ بالتجارب الأوروبية القاسية، لأنّهم أوروبيون إنتقلوا إلى أمريكا، فقرروا ألا يعيدوا التجربة هناك، وظلوا فترة طويلة هكذا، إلى أن تم إدخالهم في الحرب العالمية الثانية وبعدها أصبحوا ورثة الاستعمار القديم، وتدخّلوا في أكثر بقاع العالم، والآن هم يعانون مشاكل معقّدة في كثير من المجالات بسبب هذه التصرفات، وخصوصًا بعد الحرب الفيتنامية، فقد أصيب الشعب الأمريكي بهزة عميقة في كيانه الداخلي، ولا أعتقد أن بأمكان هذا الشعب أن ينسى هذه الهزة.

لقد كان الشعب الأمريكي في فترة، من الشعوب التي لا تقهر، فموارده كبيرة، وقواه عظيمة، وإنجازاته التكنولوجية باهرة. ولكن ثبت الآن بأن الأمريكيين ليس فقط يُقهرون وإنّما يتراجعون أيضًا.

الإرادة ودورها في وقف الإنهيار

وفي حالة هبوط روح الحضارة، والمدنية، وتكوّن قسوة القلب، أي تحول الحضارة إلى حقيقة جامدة، يمكن أن يلعب الفكر والثقافة والإرادة والقيم دورًا هامًا. فبعد أن تقسو القلوب، وتتحول النظرات الرسالية إلى توجهات مادية، ويحين وقت الإنهيار فإنّ بالامكان، وبتحول جذري داخل الحضارة وبهمة عالية من بعض أبنائها، أن يوقفوا إنهيارها وتدهورها. مثل ما حدث مع قوم يونس الذين يقص علينا القرآن قصتهم:

?فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ? يونس،98

فقد كان قوم يونس يعيشون في آخر لحظات حضارتهم، ولكنهم تداركوا التدهور الذي كان يرتقب أن ينتهي بصاعقة من السماء، بعد أن هجرهم نبيهم، ولاحت نذر العقاب الشديد، فلجأوا إلى علمائهم وسمعوا نصيحتهم ثم غيّروا مسيرتهم، وأوقفوا بذلك الإنهيار المحتوم.

هذه قضية هامة وفريدة في تأريخ الأمم، وأهميتها نابعة من أنها تدل على أن إرادة الإنسان أقوى من مسيرة الزمان وظروفه.

كيف نتحدى الإنهيار؟

والسؤال الكبير الذي نواجهه في نهاية البحث هو: هل هناك عامل يجعل الأمم تقاوم الإنهيار، ويُغذي فيها محاولات الإستمرار في الحضارة وتحدي عوامل السقوط؟

هل هي الصدفة؟ هل هو القضاء والقدر؟ أم أن هناك عاملًا آخر يمكن التخطيط له والإستفادة منه؟.

نحن نعتقد إن عامل الإرادة البشرية يلعب دورًا جذريًا وأساسيًا في هذا المجال، ولعامل الإرادة قوانينه وأنظمته الذاتية والبعيدة عن تأثير العوامل الأخرى.

إن إثارة الإهتمام في المجتمعات البشرية بعامل الإرادة، ودوره الأساسي في الحفاظ على المسيرة الحضارية، يعطيها القدرة على الإستفادة من هذا العامل العظيم الذي يُعتبر المنطلق الرئيسي لحركات التغيير والإصلاح الجذريين في كل منعطفات التاريخ.

فعملية التغيير الجذري ما هي إلاّ الإستفادة الجيّدة من عامل الإرادة البشرية، ومن قدرة الإنسان - النابعة من إرادته الحديدية- على تحدي واقعه الذي قد يكون متجهًا نحو الإنهيار، ولكن ليس بالعناصر المادية، وإنما بالأفكار الروحية والقيم.

والأمة التي تعرف سرّ التغيير والإصلاح الجذريين في واقعها لا تموت أبدًا، لأنه كلما ضعفت العوامل المادية في هذه الأمة، تدخَّل العامل الإرادي ليعوِّض عن النقص الناجم عن ضعف تلك العوامل، وليعطي الأمة إندفاعًا جديدًا نحو الأمام، وذلك عن طريق إثارة روح التمسك بقيم الجهاد والعطاء والإيثار والتضحية.

وربما نستطيع القول أن الأمة الإسلامية هي من أكثر الأمم التي عرفت حتى الآن سرّ عملية التغيير الجذري وأهميتها في مسيرتها الطويلة. والمذهب الرسالي لأهل البيت عليهم السلام هو ذلك السرّ الذي يحمل في طيّاته أعلى درجات الإرادة الرسالية للتغيير، وأسمى مراتب العطاء والتضحية والإيثار والجهاد.

صفوة الكلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت