قال (ع) : ان الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء وأوزانها. وان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا (1) .
2-أي الأبدان تحشر؟
منذ ان يتكون الجنين والى ان يموت ـ وبعد سبعين عاما مثلا ـ يتبدل جسم الإنسان أكثر من مرة، ففي كل سبع سنوات تتغير كل خلايا الجسم، فإذا اعتقدنا بعودة الأجسام، فأي الأبدان، وأي الخلايا تعود مع الروح؟ كلها ؟ فيكون جسم الإنسان أكبر من وضعه الفعلي عدة مرات عند الحشر، أو بعضها؟ وأي بعض؟ أم يحشر الإنسان في جسم جديد؟
في الافتراض الأول -عودة كل الخلايا التي أصبحت في يوم ما جزءًا للإنسان - يلزم ان تكون الخلايا الكونية تعذب حينا وتستريح حينا آخر، ذلك لأن المحتمل ان تصبح الخلية الواحدة بجسم كافر ثم تصبح جزء لجسم مسلم فيكون بعض جسم الكافر في الجنة وبعض جسم المسلم في النار، وهذا لا يكون.
وبعضهم صاغ الشبهة صياغة أخرى فقال: لو فرضنا ان الطغاة قتلوا مسلما ثم أكلوه ولم يبقوا منه شيئا فماذا سوف يحدث؟ هل يذهب هذا المسلم المأكول إلى الجنة، ومعناه أن يذهب الطغاة إلى الجنة، أو يذهب إلى النار؟ وكيف يعذب الله جسم المسلم وقد أكل ظلما؟
وفي الافتراض الثاني: يلزم ان يعذب أو يتنعم بعض الأبدان دون بعض بغير سبب معقول.
أما الافتراض الثالث فإنه يؤدي إلى ان يعذب أو يتنعم جسم جديد لا علاقة له بالعمل الخاطئ أو الصالح، وكل هذا بعيد عن حكمة الله وعدله.
الجواب:
هناك إجابة إجمالية عن الشبهة هي: ان هناك جامعا مشتركا - لدى العقل والعقلاء- بين أطوار كل شخص منذ ان كان جنينا والى ان يموت، جامعا مشتركا يرى العرف بموجبه انه بعينه في كل الأطوار. فهو الجاني الذي يؤخذ بجريمة اقترفها قبل عشر سنوات، وهو المثاب بعمل صالح أسداه قبل عشرين سنة.. فهو هو يرى نفسه كذلك، ويراه الناس كذلك. وبتعبير أولى وأهدى: ان الإنسان الجنين هو الإنسان عند السبعين -عند العقل والعقلاء- وان الزيادة والنقصان عندهما بمثابة الهواء الذي يدخل الرئتين ثم يلفظ خارجا. وان الله يعذب أو ينعم نفس هذا الإنسان الجامع المشترك، بعمله ويعيد نفس هذا الجسم الذي لم يتغير منه بزيادة شيء عليه أو بدون زيادة.
وهناك خلاف فلسفي واسع حول ان الذي يحس بالألم أو بالنعم ما هو؟ الجسم المادي أو النفس أو الروح؟ أو هما معا؟ أو الجسم بالروح أو الروح بالجسم؟
النظريتان الأخيرتان تتفقان في ان أحدهما وسيلة للآخر، والجسم في النظرية الأولى هو الذي يحس بالألم، ولكن لسبب وجود الروح فيه كما ان المصباح الكهربائي هو الذي يشع ولكن بسبب جريان التيار فيه. كما ان الروح في النظرية الثانية هي التي تشعر بالألم أو بالنعم، ولكنها تتوسل بوسيلة المادة - الجسم- لكي تتمكن من هذا الإحساس. وقد ذهب إلى هذه النظرية الأخيرة طائفة كبيرة من الفلاسفة غير انهم لم يكونوا عالمين بالعلوم الحديثة التي أثبتت تأثر الجسم بالألم واللذة بسبب الأعصاب.
والإسلام يقدر ان الجسم والروح كلاهما يلتذان أو يتألمان مستدلا على ذلك بالوجدان. فكل فرد منا يرى ان جسمه هو الذي يتألم ويلتذ بالإضافة إلى روحه الحساسة.. وعلى هذا فلابد ان يجازي الله كلا الجزءين: الروح والجسم معا لأن الاكتفاء بمجازاة أحدهما دون الآخر مخالف لحكمة الله تعالى.. ولهذا فقد أوضحت الأديان إلى جانب العقول ان المعاد لا يقتصر على الأرواح بل يشمل الأجسام. ولابد ان يكون المُعاد نفس الجسم المتألم والمتنعم.
إذا ليس من الصحيح ان نقول ان الله يعذب أو ينعم روح البشر في أجسام جديدة ، كما قال به بعض من كتب حول المعاد.
ثم ان الإسلام يقدر حقيقة في أصل الخلق كما يكتشفها العلم الحديث فيقول: ان الله خلق الناس جميعا أولا وبدفعة واحدة من دون ان يخرج بعضهم من أصلاب أو أرحام بعض، خلقهم من الأرض بصورة أجسام صغيرة للغاية ، عبرت عنها الأحاديث بالذر ولذلك سمي العالم الذي كانت تعيش فيه بعالم الذر، ثم أدرجت الأبدان الصغار في أصلاب الآباء وحولها الآباء إلى أرحام الأمهات وجعل كل من شاء في صلب كل من اختار.
وان تلك الأجسام الصغار تنمو في الأرحام بجمع مواد جديدة إلى نفسها تصبح كثيرة من دون ان تتغير من موادها الأصلية شيئا وانما التبدلات التي تحدث في خلايا الجسم فإنها لا تشمل المواد الأصلية وإنما تقتصر على المواد الإضافية التي تعتبر بمنزلة الهواء في الرئة والغذاء في المعدة. تكشف لنا هذه الحقيقة ظواهر كثيرة من جملتها: بقاء جميع الخواص في الجسم منذ ان كان جنينا إلى ان يموت.. وشعور الإنسان بأن جسمه لم يتبدل رغم علمه ومعرفته بتبدل أجزائه كلها.
بعد توضيح هذه الحقيقة نقول:
ان الذي يعود من جسم الإنسان هو ذلك البدن الذري الناعم الصغير الذي كان يتألم ويلتذ منذ ان كان جنينا إلى ان مات وقبر، وان هذا البدن لا يعد من أجزاء بدن آخر الا في وقت محدود ثم يخرج ليعود في التراب أو في الهواء أو في أي مكان آخر، ثم يجمعه الله سبحانه مرة أخرى وقد يخرجه في يوم البعث بإضافة أجزاء جديدة عليه ليكون إنسانا عاديا. وقد لا يفعل ذلك، بل يخرجه بنفس الحجم الأصلي فيكون نوعا من العذاب، كما جاء في الأحاديث ان المتكبر يخرج يوم الحشر بصورة الذرة ، ولكن كيف ينميه الله مرة أخرى؟ هل يتم ذلك ضمن أرحام جديدة مثل ما نماه في هذه الدنيا في أرحام الأمهات؟
تجيب بعض الأحاديث على ذلك بقولها: ان الله يجعل الارض بمنزلة الرحم فيهطل عليها وابل من السماء ويوفر للبدن الذري وسائل التنمية الجديدة فيخرج كالنبات من الأرض إخراجا.. أفليس الله الذي خلق الرحم ووفر فيه وسائل نمو الجنين بقادر على ان يجعل الأرض كذلك؟ ولهذا فإن الإنسان يوم القيامة يكون ابن الأرض وليس ابن امه ولا ابن أبيه، ومن هنا جاء في الآية الكريمة: [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسآءَلُونَ] ( المؤمنون 101) .
المعاد في السنّة..
1-قال الإمام الصادق عليه السلام: ( إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم.
2-قال الإمام العسكري عليه السلام: (أما [الاحياء] في الدنيا فيتلاقى ماء الرجل ماء المرأة فيحيي الله الذي كان في الأصلاب والأرحام حيا. وأما في الآخرة فإن الله ينزل بين نفختي الصور بعد ما ينفخ النفخة الأولى من دوين السماء الدنيا من البحر المسجور الذي قال الله تعالى فيه(والبحر المسجور) وهي من مني كمني الرجال فيمطر ذلك على الأرض فيلقى الماء المني مع الأموات البالية فينبتون من الأرض ويحيون (2) .
هذان الحديثان اللذان يكشفان النقاب عن حقائق هامة تنتظر الإنسان على أبواب الآخرة يستدعي شرحهما إلى بعض التوضيح فنقول:
(1) -بحار الانوار ،ج10،ص185-186 .
(2) - بحار الانوار،ج13 ،ص273 .