فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 1942

وقال عزوجل: [وإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَاَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُوا بِالَّذِي اُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُالْحَاكِمِينَ] (1) (الأعراف/ 85-87) .

وجاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام: (اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة) (2) .

3-الآيات

ويعرف الرسول بالآيات البينات التي يحكم العقل السليم بأنها ليست من صنع البشر، وذلك مثل ناقة صالح (ع) وتحول النار بردا وسلاما على إبراهيم (ع) وعصى موسى التي إلتقفت حبال السحرة ثم ردها الله إلى سيرتها الأولى، وما كان يشع من يده من نور وانفلاق البحر له اثني عشر قسما، وتكلم عيسى في المهد صبيا واحياؤه الموتى وابراؤه الاكمه والابرص ـ بإذن الله ـ وما أشبه ذلك من الآيات.

4-الفطرة

جاء في الحديث عن الامام علي عليه السلام: (ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا) (3) . والواقع لا يحتاج الفرد إلى ذكاء خارق حتى يعرف مدى صدق دعوة اصلاحية معينة. ان ذات كل دعوة من هذا القبيل شاهدة على صدقها، فإن مقاومة الظلم والجريمة ، ومحاربة السلبية والميوعة ، ونصرة المعدمين والضعفاء، هي دلائل صدق الدعوة ، وهي أمور تعرفها فطرة كل إنسان التي لا تشك في أن مثل هذه الدعوة صادقة.

فالفطرة تثبت صدق الرسول في دعوته لأنها تنسجم مع معطيات الفطرة ذاتها.

وتزداد هنا المعرفة وضوحا وعمقا كلما ازداد الفرد تفاعلا معها وممارسة عملية لها إذ يبدأ آنذاك، بملامسة الواقع بصورة مباشرة.

5-شهادة أمته:

وتأتي شهادة أمته أكبر حقيقة يشعر بها المؤمنون المخلصون برسالة الرسول.. ولا تنحصر شهادة أمته في بعث الآيات التي تدعم رسالة النبي (ع) ولا تنحصر أيضا في صدق نبؤات الرسول واستجابة دعواته، وانتصاره الخارق على أعدائه، بل تعم أكثر من ذلك حتى تشمل نوعا من الإلهام الشخصي الذي يمن به الله سبحانه على كل فرد حسب أهليته وبطريقة مناسبة له .

محمد رسول الله..

كيف يمكن ان نثبت رسالة رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم؟

ان طريقة إثبات رسالة الرسول متشابهة مع طرق إثبات سائر الرسالات التي سبقت الإشارة إليها، ولكن بالإضافة إلى دليل آخر هو ما بشر به الأنبياء السابقون أممهم (4) .

1-الرسالة

ان رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نفسها شاهدة على انها من عند الله، ذلك لأن الرسالة المحمدية لا تفي بكل الحاجات البشرية فقط، بل انها أيضا أكمل الرسالات وفاء بها. أليس الإسلام يذكّر بنور العقل (5) ؟ أو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يهدي الناس إلى ربهم ويذكرهم بما له من نعماء ثم يبين لهم ما يرضيه وما يسخطه من عقيدة وعمل وخلق؟

أو لم يكن يبين لهم الحكمة ويبين لهم ما يصلحهم وما يضرهم، ويزكي الناس ويربيهم على مكارم الأخلاق (6) ؟

هذه رسالة محمد بن عبد الله التي نزلت عليه من ربه. أليست تكفي البشر من كل النواحي التي يعجز الإنسان نفسه عن تأمينها، ويرشد العقل إلى وجوب إبتعاث النبي بها؟ وقد جاء الرسول بها كاملة من عند الله ونحن نعلم انه لا يملك ان يأتي أحد برسالة من نفسه تكفي الناس من كل الوجوه السابقة مهما كان عظيم الفكر واسع المعرفة.

فحيث جاء الرسول بها وقال أنها من عند الله تعالى، عرفنا صدقه فيها، وهكذا نجد في القرآن الكريم استدلالا على صدق الرسول بحقيقة رسالته:

يقول الله سبحانه: [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ] (إبراهيم 1) . [هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ اُوْلُواْ الأَلْبَابِ] (إبراهيم 52) . [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (7) ] (النحل 89) .

(1) - هذه الآية المباركة نموذج خارجي لواقع دعوة الأنبياء (ع) ذلك لأن شعيبا (ع) أمر قومه بما ينظم جميع نواحي حياتهم فأمرهم أولا بعبادة الله الواحد ثم أمرهم بالعدل الاجتماعي وما يستتبعه من ضبط المكيال والميزان والوفاء بالحقوق والإنتهاء من كل فساد وعدم التآمر على الدولة الحقة لسرقة الحكم ظلما ثم أمرهم بالتذكر والاعتبار وهما توجيهان إلى العقل ثم أمرهم بالصبر وهو تزكية للنفس. هذه هي الخطوط الرئيسية التي سار عليها كل الأنبياء وهي بالذات ما سبق وان قلنا انها وجوه الحاجة إلى الرسالة والرسول.

(2) - بحار الانوار ، ج3، ص270 ،ح2 .

(3) - بحار الانوار ، ج2 ، ص 165 ، ح 25 .

(4) - سيأتي شرح ذلك فيما يلي من الفصول.

(5) - قال الله تعالى: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور] (الحج 46) .

وفي الحديث: (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) . ومن الممكن ان نجعل تذكرة الإسلام بنور العقل دليلا كافيا على ان الإسلام هو الدين الحق، ذلك لأننا نعلم ان أنصار الباطل يحاولون ابعاد الناس عن التعقل لكي يضعوهم في معزل عن التدبر في الكون تدبرا منهجيا عقلانيا لأنه سيقضي على باطلهم بينما يحاول المحقون تنشيط عقول الناس حتى يبصروا الواقع بأنفسهم.

(6) - قال الله تعالى في صفة الرسول: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] (الجمعة2) .

(7) - هذه الآيات وان كانت في الظاهر تبيانا للحقيقة فقط ولكنها في الواقع دليل عليها أيضا إذ انها تشرح واقع رسالة الرسول (ص) . فهي قد أوحيت على شكل كتاب منزل من عند الله يهدي الناس من الظلمات إلى النور وهو بلاغ ونذير للبشر وتذكر بالله وإثارة لدفائن العقول وتوجيه للفكر وانهاء للخلافات البشرية وتبيان لكل شيء يحتاج إليه الإنسان في الحياة ثم هو هدى للمؤمنين وبشرى للمسلمين بصفة عامة لا طائفة دون أخرى وشعب دون آخر بل لمن اتصف بالإيمان والاسلام من كان وانّي كان. ومن الواضح ان هذه هي الصفات التي يهدينا العقل إلى ضرورة توفرها في الرسالة أية رسالة ولا يمكن ان تتوفر في غيرها. فرسالة الرسول رسالة حقة ما دامت تنطوي على هذه الحقائق جميعا فالآيات شاهدة على صدق الرسالة عن طريق بيان ما توفرت فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت