فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 1942

[إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاَيَاتٍ لاَُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ

النَّار] (آل عمران 190- 191) .

ان منهج القرآن يربي مثل هؤلاء المؤمنين، لأنه يعطيهم بصيرة إلهية ينظرون من خلالها إلى العالم المحيط بهم، وكلما توغلوا فيه، كلما ازدادوا ايمانًا وتسليمًا.

بصائر القرآن في معرفة التاريخ

ويعطي القرآن الحكيم المؤمنين البصيرة الإلهية في التاريخ لينظروا من خلالها إلى الغابرين ويعتبروا بمصيرهم. ذلك بأن الإنسان تشده حوادث التاريخ بقدرما تستثيره ظواهر الحياة الراهنة، وهو مفطور على النظر إلى الماضي. إذا فلينظر إليه من خلال بصيرة إلهية ليزداد إيمانا بربه وتسليما لسننه وشرائعه كلما نظر في أحوال الغابرين.

يقول ربنا سبحانه:

[أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] (الروم 9) .

وقد يذكرنا ربنا بمصير قوم نعرفهم في التاريخ، ويعطي تفسيرا إلهيا للتطورات التاريخية العظيمة لما تسمى بالحضارات التي سادت ثم دمرت بسبب تخلفهم عن واجب التوحيد ومعرفة الخالق العظيم:

[وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَبَيَّنَ لَكُم مِن مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الاَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ] (العنكبوت 38-39) .

ثم يذكرنا بعاقبتهم ، وهي - بالطبع - عبرة لكل ملحد لا يؤمن بربه ويستكبر في الأرض بغير حق. يقول ربنا سبحانه:

[فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا انفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] (العنكبوت 40) .

بصائر القرآن في معرفة النفس

ويتعرض البشر لحالات الشدة والرخاء، المرض والعافية، الفقر والغنى، ويعطيه المنهج القرآني في التوحيد البصائر الكافية لتفسير هذه الحالات المختلفة، ليريه الله آياته في نفسه وليتذكر ربه العظيم ويقنت له ويتضرع إليه فيكشف ما به من ضر ويهديه إلى صراط مستقيم. وهكذا تتحول الحالات المختلفة للنفس البشرية إلى مدرسة إلهية تعلم طلابها التوحيد بفضل منهج القرآن، لهذا يقول ربنا سبحانه:

[وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ] (الروم 33) .

من خلال تبصير الإنسان بمواقع ضعفه وعجزه، وتذكيره بأيام تضرعه إلى ربه، يثير القرآن فطرة التوحيد في النفس البشرية، ويقول ربنا سبحانه:

[قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الاَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] (الأنعام 63-65) .

وهكذا نرى المنهج القرآني الأمثل يذكرنا بالله من خلال بصائره في فهم المخلوقات، وفي وعي التاريخ، وفي معرفة النفس.

وهكذا يحيط بالمؤمن نور التوحيد عبر كل أفق، فيقول ربنا:

[سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] (فصلت 53) .

المنهج القرآني

وحين يذكر المنهج القرآني برب العالمين يبصرنا بأنه الإله ولا معبود سواه وان له ـ وليس لطغاة السلطة أو المال أو أدعياء الدين ـ الولاية على الناس.

وهكذا يربي المنهج الإلهي المؤمن الحنيف الذي يكفر بجبت الشيطان والهوى والخرافة، كما يكفر بطاغوت السياسة والرأسمال والدعاية، ويأمر بالصلاح والمعروف وينهى عن الفساد والمنكر.

المنهج القرآني يربط بين التذكرة بالتوحيد وبين مسؤوليات المؤمن بالله في حقل الثقافة والإجتماع والأخلاق والعبادات. وفيما يلي نستعرض أمثلة على هذا المنهج:

في حقل الثقافة

يقول ربنا:

[وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرآئِيلَ الْبَحْرَ فَاَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَآ إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلآءِ مُتَبَّرٌ مَاهُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلى الْعَالَمِينَ] (الأعراف 138- 140) .

وآيات الذكر التي تبين جهاد الموحدين ضد الأصنام كثيرة، وهي ـ على أي حال ـ تكشف عن هوية الموحدين الجهادية في حقل الثقافة، وتطهير القلوب عن رجس الشك والخرافة والجهل والتبرير.

ويبدو ان هذا كان هو الجهاد الأعظم الذي رافق مسيرة الموحدين في التاريخ، سواءً قبل أو بعد إنتصارهم على الكفار سياسيا وعسكريا، وسيبقى هو الجهاد المرير الذي يخوضه الموحدون طوال الوقت.

في حقل الإجتماع

في حقل الاجتماع يذكر المنهج القرآني بالله في إطار الجهاد ضد العنصرية، والطبقية، والإرهاب الفكري، والإستكبار، والطغيان. لنستمع إلى القرآن الحكيم وهو يذكرنا بجهاد الموحد العظيم سيدنا شعيب ضد كفار قومه. قال ربنا:

[قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمٍ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ] (هود 91-93) .

ويقول عن التمييز الطبقي الذي جاهد ضده الأنبياء عليهم السلام لتكريس قيم التوحيد:

[وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَآءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيءٍ قَالُوا لَو هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَحِيصٍ] (ابراهيم 21) .

وعن قيمة التوحيد في مواجهة أصحاب المال، يقول ربنا سبحانه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت