الضابط الآخر: هو ألا تخرجك القراءة ولا العلم عن تواضعك.. فلا تتكبر بالعلم الذي علمت.. بل تذكَّر على الدوام أن الله عز وجل هو الذي منّ عليك به.."اقرأ وربك الأكرم.. الذي علم بالقلم"هو الذي.."علم الإنسان ما لم يعلم".. هذا المعنى لا يجب أن يغيب أبدًا عن ذهن القارئ أو المتعلم.. مهما وصل إلى أعلى درجات العلم في زمانه.. فليعلم أن الله عز وجل هو الذي علمه..
يقول تعالى:"واتقوا الله.. ويعلمكم الله"..
ويقول:"وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا"..
فلا تتكبر بما تعرف على من لا يعرف.
فأوائل الوحي ترسم لنا منهاجًا قويمًا في طلب العلم والانتفاع به: لابد من الاعتراف بأن نعمة العلم من الله.. ولابد - كذلك - من توجيه طاقة العلم والقراءة وجهة يرضاها الله.
إذا قلبنا هذه الصفحة من السيرة رأينا موقفًا آخر رائعًا وغريبًا جدًا على الزمن الذي حدث فيه، وعلى غيره من الأزمنة.. حتى زماننا!
إنه موقف فداء الأسرى في بدر...
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب من الأسير المشرك الذي يريد فداء نفسه من الأسر تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة!! هذا شيء غريب جدًا.. وخاصة في ذلك الزمن الذي انتشرت فيه الأمية...
لكن القراءة والكتابة والتعلم احتياجات ضرورية لأي أمة تريد النهوض والتقدم والرقي..
وإذا نظرنا إلى حال المسلمين أيام بدر وجدناهم في حاجة إلى الأموال وفي حاجة إلى الاحتفاظ بالأسرى للضغط على قريش، أو الاحتفاظ بهم لتبادل الأسرى إذا أسر مسلم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يفكر فيما هو أهم من ذلك كله، وهو أن يعلم المسلمين القراءة... كانت هذه نقطة هامة في فكر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني أمة الإسلام بناءً متكاملًا.. حتى أن الصحابي الذي يستطيع القراءة كان يُقدَّم على أصحابه.. انظر إلى زيد بن ثابت رضى الله عنه الذي قُدم على كثير من الصحابة، وصار ملاصقًا للرسول صلى الله عليه وسلم بصفة شبه دائمة لأنه يُتقن القراءة والكتابة.. فصار كاتبًا للوحي، وكاتبًا للرسائل ومترجما للسريانية والعبرية.. كل ذلك بينما كان عمره ثلاثة عشر عامًا فقط!!
وكلنا يعرف أبا هريرة رضي الله عنه كيف كان حفظه، كان أكثر الصحابة حفظًا لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لننظر ماذا قال عن نفسه كما جاء في البخاري:"مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي"
ومع هذا الدرجة فهو يرفع فوقه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.. لماذا؟
لأنه يقرأ.. ويكتب.. يقول أبو هريرة رضي الله عنه:"إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.. فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ".
لهذه المواقف - ولغيرها - غُرس حب القراءة في قلوب المسلمين، وكانت المكتبات الإسلامية في التاريخ الإسلامي من أعظم مكتبات العالم، بل أعظمها على الإطلاق ولقرون طويلة: مكتبات بغداد وقرطبه وإشبيلية وغرناطة والقاهرة ودمشق وطرابلس والمدينة والقدس.... تاريخ طويل جدًا من الثقافة والحضارة والعلم..
هذه هي قيمة القراءة في الميزان الإسلامي..
وهذه هي قيمة القراءة في تاريخ المسلمين..
ومع كل هذا التاريخ وكل هذه القيمة إلا أن أمة الإسلام - للأسف الشديد - تعانى اليوم من أمية شديدة!!.. انتكاسة حقيقية في أمة القرآن..انتكاسة في الأمة التي كانت ولا زالت أول كلمة في دستورها:"اقرأ"!!
إن نسبة الأمية التامة - عدم القراءة أو الكتابة أصلًا - في الشعوب المسلمة تصل إلى
ومع هذه الأمية الشديدة إلا أن العالم الإسلامي يُنفق على التعليم أقل من 4 % من الناتج القومي الإجمالي.. وهذا يعني أن الموضوع ليس في بؤرة الاهتمام، وهذه مشكلة خطيرة وتحتاج إلى وقفة.
وهذه النسبة المذكورة (37%) هي الأمية الواضحة.
لكن هناك درجات كثيرة من الأمية غير المباشرة تنتشر في الأمة غير هذه الأميّة...
درجات من الأمية موجودة عند أناس يعرفون القراءة والكتابة جيدًا، بل ربما يكونون قد أنهوا دراساتهم الجامعية، أناس ربما يكون لهم تاريخ طويل في القراءة والكتابة، لكنهم لا يعرفون أشياء كثيرة في غاية الأهمية تحدث في دنيا الناس...
هناك آخرون عندهم أمّية دينية...
ربما تجد أستاذًا في الجامعة، أو طبيبًا كبيرًا، أو محاميًا على درجة عالية من التميّز في تخصصه، ومع هذا فلا علم له بالأساسيات التي يقوم عليه دينه.
هذا أستاذ في الجامعة - بعدما عاد من العمرة - يسأل أحد زملائه: ماذا نقول في التشهد؟! هل نقرأ الفاتحة؟!! هذا أستاذ في الجامعة!!!..
وهذه أستاذة في الجامعة أيضًا تقول إنها تصلى مع زوجها في المنزل صلاة الجماعة؛ فمرةً يؤمها في الصلاة، ومرة تؤمّه هي!!!
يحدث هذا في الصلاة، التي هي عماد الدين!! فما بالنا بغير ذلك من الأمور؟! حقًا.. إنها أمية فاضحة...
أقيمت مسابقة بين الشباب الجامعي كان أحد الأسئلة فيها عن ترتيب الخلفاء الأربعة: مَن الأول؟ ومَن الثاني؟....، وللأسف.. لم يعرف أحد من الشباب (الجامعي) الإجابة!!
البعض الآخر لديهم أمية سياسية؛ لا يعرف ماذا يحدث حوله في دنيا الناس، وكيف تسير الأمور.. لا يعرف ما يحدث في فلسطين والعراق، ولا ما يحدث في أمريكا وأوروبا... بل إنه لا يعرف ما يحدث في بلده!
ومن الناس من لديه أمية في القانون، لا يعرف ما هي حقوقه، وما هي واجباته...
وعلى ذلك فقس كل العلوم...
الناس اليوم لا يقرءون مجرد القراءات التي تكفل لهم حياة سليمة، فضلًا عن تحصيل العلم, والقراءة المتخصصة، والثقافة العليا...
وهذه ردة حضارية خطيرة!..
إن مفتاح قيام هذه الأمة هو كلمة:"اقرأ"...
لا يمكن أن تقوم الأمة من غير قراءة...
لهذا كان أحد المسئولين اليهود يقول:"نحن لا نخشى أمة العرب؛ لأن أمة العرب أمة لا تقرأ".. وصدق اليهودي وهو كذوب؛ فالأمة التي لا تقرأ أمة غير مهيبة ولا مرهوبة...
وهناك مشكلة أخرى، وهي أن الكثير من الشباب الذين يقضون وقتًا كبيرًا في القراءة، لا يحسنون اختيار المادة التي يقرءونها... فمنهم من يضيّع الساعات كل يوم في قراءة عشرات الصفحات من أخبار الرياضة، أو أخبار الفن، أو قراءة القصص العاطفية والروايات الغرامية والألغاز البوليسية... هم بالفعل يقرءون حروفًا وكلمات كثيرة لكن دون جدوى، وتمر الساعات والأيام والشهور والسنين... وماذا بعد كل هذه القراءات؟؟ لا شيء!!
وهذا أمر في غاية الخطورة؛ فإذا كان للقراءة هذه الأهمية الكبرى؛ فإن المادة التي يجب أن نقرأها هي أيضًا من الأهمية بمكان...
إذن فلدينا مشكلتان رئيسيتان:
الأولى: أن بعض الناس لم يتعودوا على القراءة، ويملّون سريعًا، وكلما علت همتهم وبدءوا في القراءة عادوا من جديد إلى الكسل والخمول، وهؤلاء في حاجة إلى وسائل تعينهم على القراءة وعلى الاستمرار فيها...
أما المشكلة الثانية: فهي أن بعض الناس يقرءون فعلًا، وينفقون أوقاتًا طويلة في القراءة، ولكنهم لا يقرءون لهدف معيّن، ولا يعرفون ماذا يقرءون لتصبح قراءتهم نافعة ومفيدة، وهؤلاء في انتظار حسن التوجيه إلى الموضوعات الأكثر نفعًا وفائدة..
وسنحاول معًا في السطور القادمة الإجابة عن هذين السؤالين.. والله المستعان.
كيف أحب القراءة؟!
هناك عشر وسائل هامة يعينك الله بها على حب القراءة:
الوسيلة الأولى, وهي أهم الوسائل على الإطلاق: استحضار النية..
ما هو هدفك من القراءة؟ ولماذا تقرأ؟