إنّ أعظم ما يعتذر به هؤلاء الحماة لنظام الردّة هو كسب العيش، وهذا لا يُعدّ مانعا من التكفير فليحذر المرء أن يزيّن له الشيطان وأعوانه فيرخّصون له الانضمام إلى جيوش الردّة لمحاربة المجاهدين من أجل كسب العيش كما يزعمون، وتأمّلوا إلى قول ربّنا:"مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ"الآيات 106 إلى 108 من سورة النحل.
هؤلاء الّذين وصف الله حالهم بأنّهم كفروا وطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فكانوا من الغافلين في الدنيا وفي الآخرة من الخاسرين، ذكر الله سبب كفرهم فقال:"ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ"ارتدوا بسبب طمعهم في شيء من حطام الدّنيا فلم يعذرهم الله بذلك، بل قال:"وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ".
ثمّ أقول: أنّ مسألة الحكم على أعيان أسلاك الإرهاب في باب الجهاد لا يحتاج إليها المجاهد إلاّ إذا أُسر واحد منهم أي من هؤلاء الجند، وأثناء التحقيق مع الأسير سيظهر للمجاهدين حقيقته، أمّا في مسألة القتال فلا يُنظر إلى هذا التفصيل مادامت هذه الأجهزة بجنودها تصدّ عن سبيل الله، وتمنع من تحكيم شرع الله تعالى، وتحمي القوانين الكافرة والحاكمين بها، وتُطارد المجاهدين في سبيل الله والصّادعين بالحقّ، فمن كان مُكرها من العسكر أن ينعزل أيّام المواجهة مع المجاهدين، أو أن يفرّ إليهم، فالمجاهدون معذورون في قصد أيّ أحد يكون في صفّ العدوّ، كيف لا والله سبحانه قد عذر المجاهدين الأول، فقال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا"الآية 97 من سورة النساء.
روى البخاري في صحيحه من طريق محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النّهي، قال: أخبرني ابن عباس أنّ ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم، فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل.
قال ابن تيمية مجموع الفتاوى الكبرى (5/ 21 - 22) : ومن أخرجوه معهم مكرها فإنّه يُبعث على نيّته، ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه إذ لا يتميّز المكره من