وينطبق ذلك على تعريف الوفاة حيث نجد في بعض كتب الفقه أوصافا كانوا يعرفون بها حدوث الوفاة من برودة الجسم وشحوب الوجه وغؤور العين وانحدار الأنف وما إلى ذلك. ولما عرف الناس أهمية عمل القلب في استمرار الحياة أصبح غياب النبض علامة واسمة لحدوث الوفاة لأنه لم يكن بالإمكان إعادة القلب إلى الحركة بعلاج معين. وبقيت هذه العلامة معلما لتشخيص الوفاة أكسبها الزمن درجة تقترب من اليقين المطلق. إلا أنه مع التقدم في وسائل الإنعاش في النصف الثاني من القرن الحالي والنجاح في إنعاش القلب وإعادته إلى النبضان تزعزعت الثقة في هذه العلامة إلى درجة أن غالبية حالات توقف القلب في المستشفيات وكثيرا من حالات توقف القلب خارج المستشفى تعالج بالوسائل المعروفة للإنعاش القلبي الرئوي، ولا يُجزم بحدوث الوفاة في هذه الحالات إلا بعد إخفاق تلك الوسائل.
والحقيقة أن الحدود الفاصلة بين الحياة والوفاة قد تعرضت للتبدل على مستويات شتى وأدت إلى ظهور تعريفات جديدة.
فمن ذلك الحياة الخلوية.. فإن وسائل زرع أنسجة الجسم وخلايا الدم وتجميد البويضات وبنوك النطف وما إلى ذلك تجعل هذه الأجزاء الدقيقة من الجسم تبقى حية ولو توفي الشخص الذي أخذت منه. ولا يقول عاقل بأن ذلك الشخص ما يزال حيا بناء على حياة بعض خلاياه في المعمل. فالمستوى الأول من الحياة الخلوية لا يقضي بحياة الشخص ككل.
ويتبع ذلك حياة الأعضاء وصورة ذلك أن يتبرع حي إلى قريب له بعضو لا تتوقف حياته عليه كأن يعطيه إحدى كليتيه وتبقى هذه الكلية في جسم الشخص. ولو تصورنا أن المتبرع توفي فيما بعد في حادث أو نحوه فلن يعترض قائل بأن حياة جزء منه أو أحد أعضائه في جسم حي آخر دليل على استمرار حياته. فحياة العضو أو عدد من الأعضاء بذاتها لا تعتبر حياة الشخص بكامله، إذن حياة الشخص تبقى قائمة ما دامت كل أعضاء الجسم الضرورية للحياة تعمل مع بعضها كمجموع لا كأفراد.