طريق التلقين فحسب، وإنما غدت الطبيعة جزءًا من الكون لها رؤاها تماما مثل الإنسان نفسه، مفتوحة للاستكشاف، ويمكن تقسيمها إلى مجالات مختلفة لكل منها قوانينها الخاصة التي تسيرها، ويتم فهمها من خلال القياس المنطقي والاستدلال. ثم جاءت الصدمة الأخيرة لأوروبا مع السنوات الأولى من القرن الثالث عشر فيما شملته من تعليقات الفيلسوف العربي «ابن رشد» على نظريات أرسطو، فقد أخضع ابن رشد الحقيقة المشاهدة بأكملها إلى ضوء العقل المجرد فيما انتهى إليه من أن عملية الخلق قد حدثت قبل الأزل، وتبعتها حتمًا أحداث أخرى، وعلينا أن نواصل مسيرة حياتنا في الكون بالعقل لنفهمه. وهكذا تم فصل الفلسفة عن الدين المسيحي، وامتد اهتمام الأوروبيين إلى توسيع أفكار ابن الهيثم عن خواص الضوء والعدسات وانعكاس الأشعة وانكسارها، وتوصل الأسقف جروستست من ذلك إلى أن فهم الطبيعة يجب أن يرتكز على استخدام علوم الرياضيات والبصريات والهندسة، وأدرك أن هناك عديدا من العلل البادية للظاهرة الواحدة، واقترح عقد مقارنة بين الملاحظات المتكررة كأفضل وسيلة للتحقق من علة الظاهرة إثباتا أو نفيًا، وأن فهم سبب حدوث أي شيء يحتاج بالضرورة إلى الوصول إلى ما وراء الحدث الظاهر وذلك بملاحظة آلية الظاهرة نفسها، وأشار روجر بيكون (تلميذ جروستست) إلى أن «الوصول إلى الحقيقة لا يأتي إلا من خلال التجريب» ، ثم قام ثيودريك عام 1310 بحساب آلية قوس قزح بتجربة ضوئية على بلورة زجاجية في الماء، وكان بذلك أول من قام بتجربة علمية صحيحة في تاريخ غرب أوروبا، وفي نفس الوقت كانت طليطلة قد سقطت... سقطت طليطلة الإسلامية في الأندلس في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي وحدث النهب الثقافي لكنوزها الفكرية (أربعمائة ألف كتاب تزيد على كل ما في أوروبا) ، سقطت طليطلة لافي ذلك التاريخ، ولكن منذ عزف المسلمون عزوفا عن مؤلفات ابن رشد الشارح الأكبر وشروحه (الكبرى والمتوسطة والصغري)