والحاصل أن المهر حق مفروض للمرأة، فرضته الشريعة ليكون تعبيرًا عن رغبة الرجل فيها، ورمزًا لتكريمها وإعزازها، وقد صرح الفقهاء بقولهم: (المهر فرض شرعًا لإظهار خطر المحل) .
ولقد حرست الشريعة هذا الحق للمرأة، فحرمت على أي إنسان أكله أو التصرف فيه بغير إذنها الكامل ورضاها الحقيقي، قال تعالى: (فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفسًا) أي من غير إكراه ولا إلجاء بسبب سوء العشرة ولا إخجال بالخلابة والخديعة. (فكلوه هنيئًا مريئًا) أي سائغًا لا غصص فيه ولا تنغيص. فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى.
أخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناسًا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما أعطى امرأته فنزلت هذه الآية، وفيها دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس، وقلما يتحقق، ولهذا كتب عمر رضي الله عنه إلى قضاته: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أرادت أن ترجع فلها ذلك.
ليس من الإسلام:
ليس من الإسلام ما نراه اليوم من استبداد بعض الآباء بمهور بناتهم أو استيلاء بعض الأشقاء على مهور أخواتهم. وليس من الإسلام أيضًا ما يرتكب في بعض البيئات الجاهلية حيث يعمد بعض الناس إلى المقايضة بين النساء في سبيل توفير المهر، وهو المسمى: (نكاح الشغار) .. حيث يزوج الرجل ابنته أو أخته مقابل أن يزوجه ذلك الشخص ابنته أو أخته، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار.
المغالاة في المهور:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (ألا لا تُغالوا صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية ) ) .
وعن أبي سلمة رضي الله عنه قال: سألت عائشة رضي الله عنها: (كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم؟) . قالت: (كان صداقه لأزواجه ثنتى عشرة أوقية ونشٌ) . قالت: (أتدري ما النش؟) قلت: (لا) قالت: (نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم) .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (والقصد في المهر أحب إلينا، وأستحب ألا يزيد في المهر على ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وبناته، وذلك خمسمائة درهم) أ. هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة، فهو جاهل أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار، فأما الفقير ونحوه فلا ينبغي له يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة)
فليس من الإسلام إذن تلك النظرة التجارية التي تسيطر على أفكار طائفة من الناس، فيغالون في المهور، حتى أنه لا يكاد يخرج بعضهم من عقد زواج إلا وهم يتحدثون عن المهر وكم بلغ من الأرقام القياسية!.
وكما أنه ليس من الإسلام الدعوة إلى إلغاء المهور، حيث أنه لا يجوز التفريط فيما شرع الله من تكريم المرأة وإعزازها، كذلك نرفض تلك الاعتبارات التجارية التي تسيطر على أفكار طائفة من الناس، إذ يؤدي ذلك إلى التغالي في المهور الذي يئن منه الشباب هذه الأيام.
إن المهر هدية تعطى للمرأة، فهل يعقل أن المهدى إليه يشارط فيها، ويكلف صاحبه من أمره شططًا.