الصفحة 88 من 282

يوشك أن يحل بك الموت؛ فيتتابع أنينك؛ ويتحير لسانك؛ ويبكي حولك الأهل والأولاد والإخوان، وأنت في واد وهم في واد آخر؛قد شخص بصرك؛وغرقت عيونك بالدموع تتمنى الرجوع ولا سبيل إليه.

وما هي إلا لحظات فإذا بالموت وقد حل بك؛وانتزعت روحك؛وأخذت إلى المغسل؛وحملت على النعش إلى قبرك؛فاستراح حسادك؛وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك ، فيالها من رحلة عصيبة وسفر بعيد.

إنك والله لو رأيت الميت في قبره بعد ثلاث لاستوحشت منه بعد طول الأنس به، ولرأيت بيتا تجول به الهوام، ويجري منه الصديد؛وتخترقه الديدان؛مع تغير الريح وتقطع الأكفان،وذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب0

شيع عمر بن عبد العزيز جنازة فوعظ أصحابه فقال:"إذا مررت بأهل القبور فنادهم إن كنت مناديا، وادعهم أن كنت داعيا، وانظر إلى تقارب منازلهم، سل غنيهم مابقي من غناه؛وسل فقيرهم ما بقي من فقره؟؛واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون،وعن الأعين التي كانوا بها للملذات ينظرون،وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة،والأجساد الناعمة،ما صنع بها الديدان تحت الأكفان؟!."

وعفرت الوجوه ومحيت المحاسن ومزقت الأشلاء.

أين حجابهم وقصورهم؟ وأين خدمهم وكنوزهم؟ كأنهم ما وطئوا فرشا ولا غرسوا شجرا0

أليسوا في منازل الخلوات؟أليس الليل والنهار عليهم سواء؟أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ ؛قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة.

كم من ناعم وناعمة؛أضحوا وجوههم بالية؛ وأجسادهم عن أعناقهم منفصلة؛ وأوصالهم ممزقة؛دبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم؛ثم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما؛وصاروا بعد السعة إلى الضيق0

فيا ساكن القبر غدا؛مالذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الواسعة ورقاق ثيابك؛ وطيب بخورك؟ أما رأيته قد زل به الأمر فما يدفع عن نفسه شيئا0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت