وما وعظ المرء نفسه بأعظم من ذكر الموت؛قال الحسن البصري -رحمه الله:"فضح الموتُ الدنيا لم يتركْ لذي لبٍّ فرحا"؛ وقال مطرف بن عبد الله:"إن الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فاطلبوا نعيما لا موت فيه"0
فيا عبد الله: تفكر في القبر وساكنه؛ إنك لو رأيت الميت في قبره بعد ثلاث لاستوحشت منه بعد طول الأنس به؛ولرأيت بيتًا تجول فيه الهوام؛ويجري فيه الصديد؛ وتخترقه الديدان؛مع تغير الريح وتقطع الأكفان؛ وكان ذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب؛والقبر ينادي:ألا تسألني ما صنعت بالأحبة؟!
خرقت الأكفان؛ومزقت الأبدان؛ومصصت الدم؛وأكلت اللحم0
ألا تسألني ما صنعت بالأوصال ؟ نزعت الكفين من الذراعين،والذراعين من العضدين،والعضدين من الكتفين،والوركين من الفخذين،والفخذين من الركبتين؛ والساقين من القدمين0
بكى عمر بن عبد العزيز وقال:"ألا إن الدنيا بقاؤها قليل،وعزيزها ذليل،وغنيها فقير،شبابها يهرم،وحيها يموت؛ فلا يغرنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها0"
وقال الحسن:"ابن آدم: إنك تموت وحدك وتُبعث وحدك وتحاسب وحدك؛ ابن آدم: لو أن الناسَ كلهم أطاعوا الله وعصيت أنت لم تنفعك طاعتهم؛ولو عصوا الله وأطعت أنت لم تضرك معصيتهم0"
ابن آدم: ذنبك ..ذنبك؛ فإنما هو لحمك ودمك،فإن سلمت من ذنبك؛سلم لك لحمك ودمك،وإن تكن الأخرى؛ فإنما هي نارٌ لا تطفأ؛ وجسم لا يبلى؛ونفس لا تموت0
وحدثتك الليالي أن شيمتها
تفريق ماجمعتُه فاسمع الخبرا
وكن على حذرٍ منها فقد نصحت
وانظر إليها ترى الآيات والعبرا
فهل رأيت جديدًا لم يَعُد خَلِقًا ؟
وهل سمعت بصفوٍ لم يَعُد كدرا ؟
فحريُّ بالعبد حين يوقن بأنه راحل عن هذه الدنيا أن يستعد لرحيله؛ويتزودَ من الزاد الذي يبلغه إلى حيث النجاة والسلامة0