وقد نصحنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وأخلص في النصيحة لمعرفته بما ينتظرنا من أهوال؛قال عبدُ الله بن عمر:"أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل؛وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك"0"
ومن تأمل أحوال الماضين وكلامَهم حين منازعة الروح في حال الاحتضار؛كان ذلك أعظم واعظٍ له؛فقد بلَّغوا الوصية بأصدق لهجة؛ووصفوا حالَهم بأتّمِ بيان وأجزله ؛لمّا عاينوا الحقيقة0
لما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاةُ،قال:"أقعدوني؛فأُقعد فجعل يسبح الله تعالى ويذكره،ثم بكي وقال: تذكر ربك يا معاوية بعد الهرم والانحطاطِ؟"
ألا كان هذا وغض الشباب نَضِرٌ ريان؟وبكى حتى علا بكاؤه؛وقال:يا رب ارحم الشيخ العاصي؛ذا القلب القاسي،اللهم أَقِلْ العثرةَ؛واغفر الزلة وجد بحلمك على من لا يرجو غيرَك ولا يثق بأحد سواك0
وقال عبد الملك بن مروان في مرض موته:ارفعوني ؛فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك؛ إن طويلك لقصير؛وإن كثيرك لحقير،وإنْ كنا بك لفي غرور0 وقيل له:كيف تجدك؟ قال: اجدني كما قال الله تعالى:"ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم"0
وقال بعضهم: دخلنا على عطاء السلمي نعوده في مرضه الذي مات فيه،فقلنا له: كيف ترى حالك ؟ فقال:"الموت في عنقي؛والقبرُ بين يدي،والقيامة موقفي؛ وجسر جهنم طريقي،ولا أدري ما يفعل بي؛ ثم بكى بكاءً شديدًا حتى غُشِيَ عليه،فلما أفاق قال:اللهم ارحمني؛وارحم وحشتي في القبر،ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين"0
فيا عبد الله:إنْ كان هذا هو حال الأتقياء البررة؛فكيف بحال المسرفين على أنفسهم أمثالنا؛وقد كثرت ذنوبنا؛وقل زادنا مع بعد السفرْ0