كل ذلك بسبب المروءة التي سكنت سويداء قلوبهم، حتى صارت أغلى ما يملكون، ويهون على المرء منهم أن يفقد حياته ولا يفقد مروءته، ولذا عندما سئل عبد الملك بن مروان: أكان مصعب بن الزبير يشرب الطلاء - يعني الخمر -؟. قال: لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
ولم تقتصر غيرة العرب ومروءتهم على أنفسهم بل إنهم شملوا الآخرين حتى قال قائلهم:
وإني لأغضي الطرف عنها تسترًا
ولي نظر لولا الحياء شديد
ومن أجل ذلك فقد كانت هذه الأخلاق العالية سببًا في ارتفاع أسمائهم، وعلو ذكرهم ،ونجاتهم من المهالك؛"فلما مات ليث بن مالك؛ أخذ بنو عبس فرسه وسَلَبَه،ثم مالوا إلى خبائه فأخذوا أهله،وسلبوا امرأته خماعة بنت عوف بن محلّم، وكان الذي أصابها عمرو بن قارب وذؤاب بن أسماء؛ فسألها مروان القرظ بن زنباع: من أنت؟.فقالت: أنا خماعة بنت عوف بن محلّم؛ فانتزعها من عمرو وذؤاب لأنه كان رئيس القوم، وقال لها: غطي وجهك ، والله لا ينظر إليه عربي حتى أردك إلى أبيك ، وضمها إلى أهله ،حتى إذا دخل الشهر الحرام أحسن كسوتها وأخدمها وأكرمها ، وحملها إلى عكاظ ، فلما انتهى بها إلى منازل بني شيبان؛قال لها:هل تعرفين منازل قومك ومنزل أبيك؟. فقالت: هذه منازل قومي ، وهذه قبة أبي؛قال: فانطلقي إلى أبيك؛ فانطلقت؛ فخّبرت بصنيع مروان."
ثم إن مروان غزا بكر بن وائل ، فقصوا أثر جيشه، فأسره رجل منهم، وهو لا يعرفه،فأتى به أمه ، فلما دخل عليها ؛ قالت له أمه:إنك لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ ، فقال لها: وما ترغبين من مروان؟.قالت:عظيم فدائه؟.
قال:وكم ترغبين من فدائه؟؛قالت: مائة بعير ،فقال مروان:ذلك لك على أن تؤديني إلى خماعة بنت عوف.
فمضت به إلى عوف بن محلّم؛ فبعث إليه عمرو بن هند أن يأتيه به ، وكان عمرو وَجَدَ على مروان من أمر؛فآلى أن لا يعفو عنه حتى يضع يده في يده؛ فقال عوف حين جاءه الرسول: قد أجارته ابنتي وليس إليه سبيل .