منصور…: لكنَّكَ فتنْتَ الخليفة الرشيدَ، يومَ غنَّيتهُ بأسلوبِكَ الجديدِ على عودِكَ، ما أدْهَشَهُ، فأوصى بكَ إسحاقَ..
زرياب…: صَدَقْتَ يا منصورُ، يومَها غنَّيْتُ كما لم أُغَنِّ مِنْ قَبْلُ أبدًا.
سلمى…: صوتُكَ يا سيدي هِبةُ اللهِ، ولهذا سمَّاكَ أهلُ الفنِّ زريابَ تشبُّهًا بطائرٍ أسودِ اللونِ جميلِ الصّوتِ.
… (صمت طويل بين زرياب والطلاب، وبحركة خفيفة هادئة يسير زِرياب نحو طاولته والعود بين يديهِ. وكأنه يتذكر أيام بغداد...)
زرياب…: يومَهَا عزفْتُ على عودي... (يعزف بضعة أصواتٍ ثم يتوقف ويتنهد) .
إبراهيم…: هل اسألُ ياسيدي ؟!
زرياب…: نعمْ يا إبراهيم؟!
إبراهيم…: لماذا لمْ تَعْزِفْ على عودِ معلِّمِكَ؟!!!
زرياب…: لقد سألَني الخليفةُ الرشيدُ هذا السؤالَ. بل إنّهُ لمْ يستَطِعْ أنْ يُفرِّقَ بين عودي وعودِ معلمي. كانا متشابهِينِ مِنْ حيثُ الشَّكلُ.
سلمى…: برغمِ عِلْمِهِ ومعْرَفتِهِ؟!
زرياب…: لا يعرفُ ذلك سوى أهلِ الفنِّ يا سلمى، وبالتَّجْرُبَةِ!!!
منصور…: لَمْ أفهمْ!!
زرياب…: انظروا إلى عودي. (ينظرون جميعًا باهتمام) الخشَبُ هو نَفْسُهُ، لكنَّهُ أخفُّ ثلثَ وزنِ عودِ إسحاقَ. وأما أوتارُهُ فَمِنَ الحريرِ الذي لَمْ أَغْسِلْهُ بماءٍ ساخنٍ حتى لا ترتخيَ فتصْبَحَ أُنثى. وأما هذانِ الوترانِ (يشير إلى الوترين العلويين) فقد صَنَعْتُهُمَا مِنْ مُصْرانِ شِبْلِ أسدٍ، إذا عزفْتُ عليها بالمِضْرابِ أصدرتْ رنينًا حُلوًا وصفاءً مُدْهِشًا. وأوتارُ المصْرانِ هذه تتحمَّلُ الضرْبَ والعفْقَ بمضرابِ الخشبِ. مع أننا الآن نستخْدِمُ ريشةً مِنْ جناحِ النَّسْرِ.
إبراهيم…: ونحنُ ـ والتاريخُ ـ لن ننسى إضافَتَكَ الوترَ الخامسَ الذي زِدْتَ بهِ مَساحةَ الغناءِ والأنغامِ في مختلف الطبقاتِ. فاكتسبَ العودُ قدرةً تعْبيريةً جديدةً وطاقةً فريدةً.
منصور…: ولن ننسى يا سيدي اختراعكَ وتطويرَكَ لأَداءِ الفرقةِ الموسيقيةِ ومجموعاتِ الغناءِ، وأساليبِ التدريبِ الحديثةِ!!..
سلمى…: وفنَّ ارتداءِ الملابسِ بِحَسْبِ الفُصولِ، وتزيينَ الشَّعْرِ وآدابَ الطعامِ. وغيرُ ذلك كثيرٌ ياسيدي.
زرياب…: (يتنهد) ومع هذا فإنهُمْ يغارونَ مني ويَكيدونَ لي وأنا بعيدٌ عن السياسيةِ.
منصور…: الصبْرُ يا سيدي صفةُ المؤمنين!!!
زرياب…: سامَحَكَ اللهُ يا إسحاقُ، غيرَ أنَّكَ نَفَعْتَني بعلْمِكَ، وَبِطَرْدِكَ إيَّايَ مِنْ بغدادَ.
المشهد الرابع