الذئاب لا تغرد!!
مع إطلالة كل فجر جميل يغرد بلبل بصوته الرخيم على غصن شجرة ضخمة معمرة من أشجار الغابة:
اللطف يُثمر اللطف، والكراهية تولّد كراهية، وعلينا نحن معشر الطيور أن نزيّن الكون، ونضفي عليه المزيد من البهجة والسرور.
سمع ذؤيب تغريد البلبل هذا فتحيّر واستغرب، وثارت ثائرته وتساءل:
لماذا لا نغرّد كالبلابل؟!. ولماذا أصواتنا مفزعة، غير محببة، ويهرب الكثيرون منها عند سماعها، وكأنها نذير شؤم وخطر؟!. وهل نحن أقلّ مرتبة من البلابل حتى نعيش في الجحور، بينما هم يعيشون على أغصان الأشجار، ويطيرون بأجنحتهم الضعيفة والقصيرة بينما نحن معشر الذئاب نمتاز بالقوة والجري السريع ولا نستطيع التحليق ولو مرة واحدة؟!.
سمعت الذئبة تساؤلات صغيرها واستفساراته فاحتارت كيف تجيبه ومن أين تبدأ وهل في جعبتها الأجوبة المقنعة على الأسئلة الصعبة والمحرجة التي طرحها؟
بعد تفكير طويل اهتدت إلى القول: لا عليك يا بني ما نستطيعه نحن تعجز الطيور عنه، وبعض ما يستطيعونه هم نعجز نحن عنه أيضًا.
سلاحهم جناحان ضعيفان ومنقار صغير، وسلاحنا أنياب حادة، ومخالب تُمزق أقسى أنواع اللحوم، لهم رجلان قصيرتان واهيتان، ولنا أربع قوائم قوية متينة، تسابق الريح. يتكاثرون بالبيض، ونتكاثر بالولادة، هم يغرّدون ونحن نعوي، وكما نحن لا نستطيع التغريد فهم أيضًا لا يستطيعون العواء. هوّن عليك يا صغيري ولا تكن حزينًا، لضعفهم ينامون على أغصان الشجر ولقوتنا ننام على الأرض.
أجوبة الأم هدّأت من ثورة ابنها وشعرت أنها أعادت له الثقة ببني جنسه، فالذئاب فخورين بأصلهم ولا يجوز لأي منهم أن يشذ أو يطمح إلى تغيير جلده، واقتربت من صغيرها موشوشة:
نحن الذئاب لنا وجه واحد لا نغير أقنعتنا ولا نبدل جلودنا ولا نهادن عدونا، ولا نقاسم أحدًا صيدنا أو جحورنا، سلاحنا الناب والمخلب وغريزة الحذر والدهاء في الكرّ والفرّ التي تعلمناها من تجاربنا ودروس حياتنا الصعبة والمعقّدة. نحن ملتزمون بأعرافنا وعاداتنا نتوارثها جيلًا بعد جيل وتنتقل معنا، تحركنا غريزة الجوع وضرورة البقاء على قيد الحياة. عندما نؤمّن طعام يومنا ترفرف علينا السعادة طوال اليوم، أما الإنسان.. فالغني يفتش عن السعادة وهي في متناول يديه، وتحت بصره، والفقير يبحث عن لقمة العيش ويعتبر سعادته في تأمينها. نعشق الأدغال فإن شبعنا لهونا ولعبنا ولم نؤذ حتى أصحاب اللحم اللذيذ.