تابعت الورقة حديثها قائلة: كم سررت بما روته لي جدتي ذات يوم من أنّ رجلًا كتب عليها رأيه قائلًا: إنّ والدتي المسنة والمصابة بشلل نصفي تساوي عندي ملك الدنيا فلا ذهب هذه الأخيرة ولا أحجارها النفيسة تعادل ثمن والدتي. وتابعت جدتي القول: إِنّي فخورة بهذا الكلام وكم أودّ أن أقع في أيدي سكان المعمورة قاطبة ليقرؤوا جميعهم ما كتبه هذا الشاب المحب لوالدته. أّمّا أُمَّه فقد كتبت ذات يوم: كنوز الدنيا لا تعادل طفلي الصغير. إني أعشق هذا النوع من الكلام.
نعم أيّها القلم إنّ الإنسان هو الأسمى والأثمن في هذا الكون فلا ذهب ولا مال يساويانه صغيرًا كان أم شابًّا أم كهلًا، مريضًا كان أَم معافى.
كم أودّ أن تسطر مثل هذا الكلام الجميل على بياضي لأبقى محتفظة به ما حييت.
وعدها القلم بأن يفعل ذلك إن استطاع فرغبة رفيقة عمره الورقة غالية عليه ولا معنى لوجوده دونها.
لكنهما كانا متفقين على أنّ الأمر كان وسيبقى بيد الإنسان ومرتبط به وحده لهذا السبب علا صوتهما قائلين:
قوّم الاعوجاج أيها الإنسان قبل فوات الأوان وتذكر دائمًا أنّ الورقة والقلم الصديقين الحميمين لك يودان أن تبقى المخلوق الذي كرمه الله سبحانه وتعالى.
12 أيار 2000
ذبول الأزهار..!
منذ أن فتحت عينيها ورأت ما يحيط بها من ورود وأزهار ومروج تبدو مبتسمة وتزرع الفرح في النفوس أعجبتها الدنيا، وتمنت أن تعيش طويلًا، فهي أيضًا تحب الابتسامة والفرح وهذا بدوره يتوافق مع وصايا حكيمة الزهور اللواتي تحفظهن عن ظهر قلب وترددهن مع بزوغ كل فجر مذ كانت برعمًا كي لا تنساهن من جهة، وكي تنقلهن بأمانة وصدق إلى أبنائها وأحفادها من جهة ثانية. وفحواهن:
نحن الأزهار نحب التأمّل والهدوء والكلمة اللطيفة واللمسة الحنون، ونكره الاعتداء والغضب والشجار والتملّق والنفّاق.
احذري يا ابنتي إن حكمت عليك الأقدار وزرت القصور أو قاعات الاستقبال أو شاهدت حفلات الرقص العامرة أن تقولي هذا هو جوّي المفضل، فنحن الأزهار أجواؤنا الهواء الطلق والشمس المشرقة، والماء العذب، وأيضًا نطرب لسماع أحاديث الناس الطيبين.
فجأة وجدت باقة الأزهار نفسها وسط قاعة كبيرة تضيئها الثريات ويغطي أرضها السجاد النفيس وتزدان جدرانها بالمرايا الواسعة ونوافذها بالستائر المصنوعة من الحرير الدمشقي.