ما إن رأت الورقة البيضاء بعينيها الصغيرتين القلم الأزرق يتقدم منها حتى بدأت ترتجف وكأن زمهرير شتاء قارس تمكن من أوصالها.
استغرب القلم اضطراب الورقة غير الطبيعي ووقف كالمسمّر في مكانه مراقبًا الأمر. بعد صمت طويل استطاع القلم المبهور من تصرف الورقة الغريب أن يسمع صوتها دون أن تفتح فمها أو تنبس ببنت شفة قائلة:
أخشى أن أفقد قيمتي عندما تبدأ تبذر بذورك في تربتي. إني أكره أيها الصديق القديم البذور الفاسدة. إن الأطنان من شقيقاتي تذرف الدموع يوميًا لأن جيوش زملائك الأقلام تعبث بها وتعكر بياضها وتحملها إلى الحفظ أو الرمي في سلة المهملات. ابتعد عنّي أيّها القلم إذا لم تكن تنوي أن تخطّ على بياضي الرأي الحرّ والحكمة النصوح والكلمة الصادقة فأنا التي كانت وستبقى تحلم بأن تضمّ إلى صدرها الكلمات اللواتي يبعثن في حناياي الدفء والسعادة.
للأُمهات أبناء أمّا أبنائي أنا فهم الكلمات اللواتي تخطهنّ على بياضي ولا أُريد أن أكون أُمًّا لأبناء عاقين.
ابتسم القلم المسكين ابتسامة صفراء وقال لها: لا تظلميني يا صديقتي الورقة نحن في الحال سواسية. أنا أيضًا ممن يعشقون الكتابة عن الجمال والحب والوفاء ولا أرغب أن أسطر كلمة نفاق واحدة، أو رأيًا فاسدًا، أو كلامًا مزورًا. خندقنا واحد، ومصيبتنا مشتركة إلاّ أنّ بعضهم يعبث بنا، ولا حول لنا ولا قوة.
مرات ومرات وددت أن يجفّ حبري أو تقذفني وإياك رياح قوية إلى أراض لا يصلها العابثون والمستهترون بنا.
كلمات القلم الدافئة هذه أراحت نفس الورقة فسارعت إلى القول: إنّ أهميتنا نحن معشر الأوراق والأقلام تفوق الوصف، فبنا وعلينا يكتب الإنسان قوانينه وأنظمته، يدوّن مواثيقه ومعاهداته ينظم علاقاته الاجتماعية، يثبّت حقوقه وملكيته، يبرزنا كوثائق عند الضرورة، يستعين بنا لتدوين تاريخه وأشعاره، فلسفته وعلومه وأفكاره، يفصح عن مكنونات نفسه، يشتم ويهدد إن لم يرغب في الكلام بواسطتنا.
قاطعها القلم قائلًا:
إنّا صديقان قديمان له، يلجأ إلينا عندما ينسَ مواعيده وذكرياته، نهدّئ أعصابه، يحملنا في جيوبه، يحتفظ ببعضنا في صناديقه المحكمة الإغلاق وبين مجوهراته، لم نخدعه يومًا، لماذا يستهتر بنا؟!. لماذا يهدر الأطنان منا يوميًا بلا فائدة؟!. لماذا يعبث بنا؟!. لعلّ تساؤلاتنا هذه توقظه من غفوته وتعيد المياه إلى مجاريها.