الصفحة 78 من 373

غمرها الفرح وشعرت بسعادة عارمة فهذه أول مرّة في حياتها تدخل في منازل البشر.كادت تحسدهم لما ينعمون به من رخاء ونعيم. ولولا حبها لبني جنسها وولائها لهم لتمنت على الله أن يخلقها إنسانًا. قالت في نفسها:

الذين يقطنون هذه القاعات الكبيرة حتمًا سعداء، والسعادة تلازمهم في نومهم وطعامهم ولباسهم ويتذوقونها بكل جوارحهم ولا يجدون صعوبة في الحصول عليها. كيف لا؟!. وبيوتهم مليئة بما هو غال ويعرفون كيف يضاعفون ثروتهم. ما أجمل حياة البشر!!.

تعتريني الدهشة من نصائح حكيمة الزهور وتحذيراتها. أرجح أنها مخطئة من حيث لا تدري.

بينما كانت باقة الزهور هذه تحدث نفسها بدأت وفود المدعوين للسهرة تتقاطر. جلس كلّ في المكان المخصص له وبدؤوا يأكلون ويشربون ويرقصون وباقة الأزهار تنظر بعينين متعجبتين من كثرة الأطباق الشهية، والمأكولات الفاخرة، أمّا هي فما من أحد يرمقها بنظراته أو يحدثها بكلمة رقيقة. أصابها الذهول وبدأ قلبها ينقبض حزنًا وبدأت تتذكر نصائح حكيمة الزهور نصيحة نصيحة قائلة:

أنا ملكة البراءة أتضوع بالروائح الزكية ومنظري يبعث على البهجة والسرور، ولا أحد يهتم بي، ولا ينظر إلي!!. كم أتمنى مغادرة هذا المكان الذي يخنقني ويحطم أعصابي. كادت المظاهر تخدعني ما أحوجني للجوهر.

نحن الأزهار نعشق الاهتمام بنا، ونطرب عندما يهدينا طفل إلى أُمّه، فتضمنا هذه الأخيرة، وتشمنا وتقبلنا ونزرع الفرحة والبهجة في عينيها ونسمع كلامها: الله ما أجمل هذه الباقة! إن أخشى ما أخشاه أن يلقوا بي فور انتهاء حفلة الرقص هذه إلى سلة المهملات. في الوقت الذي لا أزال احتفظ بنضارتي وحيويتي، عليَّ أن أَذبل بسرعة قبل أن يلقوا بي مع فضلات طعامهم كي لا أتحسر على شبابي. لن أرى بعد اليوم أصدقائي من زهور وشجيرات وعصافير. أشعر أنني أذبل لا كغيري من الأزهار وإنما بسرعة تفوق الوصف.

أجنحة الكلمات!!!.

سأل الصغير نزال جدّته: حقًا يا جدّتي ما يقولون، عن أن للكلمات أجنحة؟!. وإن كان هذا صحيحًا فهل تشبه أجنحة الكلمات أجنحة الطيور؟!.

أربك الجدّة سؤال الحفيد وقررت أن تمعن التفكير قبل أن تبدأ الجواب. إلاّ أن نظرات عينيه الاستفسارية، وقسمات وجهه المنتظرة بشوق ولهفة سماع الجواب دفعتها إلى الإسراع بالقول: اعلم يا بني أن الكلمات يحملن أثقالًا وموازين تعجز الطيور مجتمعة عن حملها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت