في صباح اليوم التالي دخل ماجد أكثر من مرة إلى قاعة المكتبة متأملًا ومندهشًا من أعداد الكتب الكثيرة التي تكاد تنوء لثقلها رفوف المكتبة في حين كانت جدته وأُمه تراقبانه بحذر شديد.
لكنه لم يطرح عليهما أي سؤال وهما بدورهما قررتا عدم سؤاله كي لا تثبتا فكرة الأنين في ذهنه. أملًا بأن يكون قد نسيها.
كان الأب قلقًا، وجل تفكيره بما سمعه من ابنه البارحة ولم يخطر بباله أنّ الصغير استوحى فكرة الأنين من درس معلمته عن أهمية الكتاب وفوائده، وأن هذا الأخير يتألم إذا بقي في المكتبة مهملًا، وأنّ الكثير من الكتب يوضع في المكتبات للزينة وإشباع الغرور ليوحي للآخرين بأن سكان هذا المنزل من أصدقاء الكتاب. الصغير ماجد يرى بأُمّ عينه أنّ مكتبتهم ضخمة، وأن لا أحد يقرأ هذه الكتب وأن أباه يفتح أبواب المكتبة ونوافذها ليراها زوارهم وأن بعضهم يقف أمامها مذهولًا لضخامتها. قال في نفسه:
كلام معلمتي ينطبق على مكتبتنا والكتب لدينا حتمًا تتألم. لن يهدأ لي بال حتى أقرأ مستقبلًا هذه الكتب.
ما إن اجتمعت الأسرة على طاولة العشاء حتى توجه ماجد إلى والده قائلًا: أسمع أنينًا آتيًا من قاعة المكتبة يا أبت.
الأب: هذا مستحيل، القاعة لا تحوي إلا الكتب، والكتب خرساء لا تتكلم ولا تعرف الألم أو الأنين.
الصغير: أصوات الكتب أقوى الأصوات، لماذا لا تسمعون أنين مكتبتنا أم أنكم لا ترغبون.
الأب: اصدقني يا ولدي، أتسمع أنينًا أم تتصور وتتخيّل هذا أَم أنك مريض؟.
الصغير: شرحت لنا معلمتنا عن دور الكتاب وأهميته وأنه يتألم إذا أُهمل.
أثنى الأب على صغيره لإصغائه الجيد لدرس معلمته ولما يحمله من حبّ للكتاب نبع المعرفة، وأقرّ بينه وبين نفسه أنّ الكتب وجدت لقراءتها والاستفادة منها لا لعرضها والتباهي بها.
العقد
في أحد الصباحات الجميلة انفرجت شفتا الأرض عن ابتسامة رقيقة فولدت السواقي والأنهار.. واتبعتها بقهقهة عالية فتشكلت البحار والمحيطات.
احتارت الأرض بين أن تلوم نفسها على ما فعلت أو تمدحها. وبينما هي في غمرة نقاش داخلي حاد زمّت شفتيها فولدت الجبال والروابي والهضاب والتلال.
شعرت الأرض بسعادة عارمة لأنّها وبقليل من حركات شفتيها رسمت ما يبعث على البهجة والإبداع، لكنها خافت إن تابعت حركاتها أن تتحوّل قشرتها بالكامل إلى جبال وهضاب وتلال ووديان وبحار ومحيطات.