ذات يوم قرر الثعلب التخلص من الجرذ المنافق. دعاه لنزهة في الهواء الطلق، بعيدًا عن مكان إقامتهما، كان فرح الجرذ كبيرًا، إذ سيسير بمحاذاة الثعلب. ولربما اعتبرا نفسه ندًا له. وما إن اقتربا من فوهة بئر عميقة حتى ركل الثعلب الجرذ بقدمه ركلة قوية، وجد الجرذ نفسه على أثرها في أعماق البئر. وقبل أن ينطق الجرذ بأية كلمة وقف الثعلب وقال له:
أمضيتُ عمري في الاحتيال والخداع. وكنت أحيانًا أنتقد نفسي لهذا الطبع الذي رافقني منذ الولادة. والذي ابتليت به طوال عمري، ولسوء حظي ابتليت بك أيها المنافق. أم أنك تظن أيها الأبله أنني أثق بكلامك المعسول الذي كنت ستقوله لأي ثعلب آخر، شريطة أن يطعمك ويدبّ الرعب في أوصالك.
ومع ذلك اطمئن فسأخرجك من الماء حالما أصبح زعيمًا للغابة كما كنت تقول لي دائمًا.
ذهب الثعلب غير آسف على جرذ امتاز بالنفاق. ودأب على وضع نفسه في غير مكانها الحقيقي. وحال بين الثعلب وبين المحتاجين لمساعدته ومشورته من أبناء جنسه، وعلى التفوّه بكلمات المديح والإطراء التي لا تحمل من الحقيقة شيئًا.
أنين الكتاب
هاجس خفي بدأ ينقر على مكامن الاطمئنان لدى الجدّة رغم قناعتها بأن إجابتها كانت كافية لتبديد مخاوف حفيدها عندما قالت له: أبوك ذهب باكرًا إلى عمله، وأُمّك لم تستيقظ بعد من نومها، وأبواب منزلنا محكمة الإغلاق فمن أين جاء الأنين في قاعة المكتبة؟.
خافت الجدة أن يكون حفيدها مريضًا فبدأت تتلمس جبهته مرة تلو الأخرى، حمدت ربها لأن حرارته طبيعية، سألته إن كان يشعر بألم في رأسه أو تعب في بدنه أو جوع أو رغبة بالنوم وأي نوع من الطعام يريدها أن تحضرْ له؟
أجاب الحفيد بالنفي على أسئلة جدته فهو لا يشعر بألم أو تعب وليس لديه رغبة في النوم أو الطعام ومع ذلك بقيت الجدة في حيرة من أمرها.. الصغير لم يحدّث والدته بعد استيقاظها بما حدث لقناعته بأن جوابها لن يكون بأفضل من جواب جدته. إنما رغب في إخبار والده فهو يحبه كثيرًا، ويعتبره مثله الأعلى. ما إن سمع الأب ما قاله صغيره حتى انهال بأسئلته على زوجته: هل حرارة ماجد كانت عالية ولماذا لم تستدعوا الطبيب؟.. الخ.
الأُم والجدة أكدتا معًا أن ماجد لم يشكُ من شيء وأنّه تناول طعامه بشهيته المعهودة وأنّ نومه كان هادئًا وهو نشيط طوال النهار.