الصفحة 62 من 373

لقد قرر والدهما، أن يصطحب أسرته معه إلى الكويت، وسيكون السفر بعد يومين، ركض أحمد إلى خزانته الصغيرة، أخرج خارطة الوطن العربي، وبدأ يمرّر إصبعه فوقها، باحثًا عن دولة الكويت، بينما راحت نور تجمع ألبسة لعبتها مها وترتّبها في حقيبة صغيرة.

كل شيء في البيت يبدو فرحًا، ماعدا السّاعة المعلقة على الحائط، فما إن سمعت كلمة سفر حتى كادت مسنناتها تقف عن الحركة، واضطربت عقاربها، فصارت تسبّق حينًا، وتقصّر حينًا آخر.

انقضى اليوم الأوّل، وصحّة الساعة تزداد سوءًا، فالرّقاص النشيط ثقلت حركته، وصار ينوس ببطء شديد، حتى وجهها اللاّمع، بدا شاحبًا.

أحسّت اللوحة المعلقة على الحائط نفسه بمرض السّاعة، فسألتها:

-ما بكِ يا صديقتي، تقولي آه.. آه، بدلًا من تَكْ.. تَكْ، هل أنتِ مريضة؟

ردّت الساعة بحرقة، قائلةً:

-آه.. أيتها اللوحة الجميلة، غدًا سيسافر الصغيران كما تعلمين، بينما سأبقى أنا معلقةً على الحائط، كقطعة خشبيّة ميّتة، من سيوقظهما في الصباح، ليذهبا إلى المدرسة، من سيشير إلى موعد نومهما؟... أجيبيني أيّتها الصديقة، أكاد أقع!!.

حزنت اللوحة، عندما سمعت كلام السّاعة، فانكمشت على نفسها، حتى كاد الإطار يسقط منها وبعد تفكير قصير، قالت:

-اسمعي أيّتها السّاعة الطّيبة، الصغيران يحبّان عصفورك، الذي يخرج كل ساعة، ويصيح كوكو.. كوكو.. بعدد الساعات، فأرجو أن تطلبي منه ألاّ يخرج صباح الغد، ليبقى الصغيران نائمين، ولا يسافران.

عملت السّاعة بنصيحة اللوحة، فتأخّرت الأسرة عن موعد الطائرة.

انزعج أحمد، نظر إلى الساعة بغضب، نهض إليها، وقفل الباب الذي يخرج منه العصفور!!.

في اليوم التالي، سافرت الأسرة، على متن الطائرة، بعد أن غيّر الأب موعد الرحلة.

وبعد شهر من وصولهم، فتحت المدارس أبوابها، لكن الصغيرين تأخّرا في النوم، ولم يذهبا إليها.

جلس أحمد على سريره حزينًا، تذكّر ساعته الجميلة، وعصفوره الحبيب.

وما إن سمع زقزقة العصافير، تنبعث من حديقة البيت، حتى شعر بالذنب، لحبسه عصفوره فدسّ رأسه تحت الغطاء، وراح يبكي بحرقة شديدة.

ماسح الأحذية

في الحديقة العامّة، وتحت شجرة الكينا الكبيرة، جلس عبد الله أمام صندوقه الخشبي، كان الصندوق مزركشًا بمسامير لامعة، ومزوّدًا بدرج صغير، يحتوي علب صباغ ملوّنة، وفرشاة وخرقة صفراء لمسح الأحذية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت