الصفحة 63 من 373

نظر عبد الله إلى الأطفال، الذين يلعبون في الحديقة، فاغرورقت عيناه بالدموع، ثم وقف وركل الصندوق، فتدحرج وصاح:

-آخ.. لمَ تضربني أيّها الصديق، لقد خلعت مساميري؟!

دُهِش عبد الله، نظر إلى الصندوق، فرأى درجه يمتدّ مثل اللسان.

أحسّ عبد الله بالذنب، فبلع ريقه، وقال:

-اعذرني يا صديقي، فأنا متضايق، لأنني أرى الأطفال، ينفخون البالونات، ويمسحون على شعر الدمى، بينما أنفخ أنا الغبار من فوق الأحذية وأمسحها بالخرقة.

بكى الصندوق، فقرقعت العلب في بطنه، ثم قال:

-اصبر يا صديقي، الحياة قاسية، ومع هذا فهي حلوة، تذكّر أصدقاءك الذين يحبونك، تذكّر أباك المريض، ألست أنت من يرسم الابتسامة على شفتيه، أنت شاطر، وسيكون لك مستقبل زاهر في الدراسة، ستصبح طبيبًا، وتشتري سيّارة حمراء.

فرح عبد الله عند سماعه كلمة سيّارة، نظر إلى صندوقه بمودّة، وتخيّل علب الصباغ الدائرية مثبتة كالعجلات على طرفي الصندوق، فنطّ مبتهجًا وهو يغنّي:

صندوق الألعاب يا خير الأصحاب.

فوق الأغصان

الغصن فرحان، لأن العصفورين الأصفرين بنيا عشّهما فوقه.

رقدت العصفورة على البيض بحنان وعصفورها يقف بجوارها، ينظر إليها، والابتسامة لاتفارق منقاره، يتذكّر كيف بنيا عشّهما قشّة قشّة وبطّناه بالريش الناعم، صحيح أن ريشهما قد بللّه العرق، لكنّه تعبٌ مثمر ولذيذ.

بعد أسبوعين، وفي صباح ربيعي جميل، نقر أحد الفراخ قشرة البيضة، ومطّ منقاره الليّن ثمّ بدأ يزقزق، كأنّه يطلب من الطبيعة، أن تفتح له ذراعيها.

غمرت السّعادة قلب الأبوين، فطارا إلى الحقول، ليزفّا نبأ السعادة.

تتالى فقس البيض، فصار العش يحتضن أربعة فراخ جميلة.

الفراخ تكبر، ويتبدّل زغبها الناعم، لينبت مكانه ريش جميل، كانت تنام تحت أجنحة بعضها تأكل ما يجلبه الأبوان، إلاّ واحدًا منها، فقد كان لا يأكل إلاّ الدودة الكبيرة، ولا ينام إلاّ ممددًا، ناسيًا أن العش قد ضاق لأن الفراخ كبرت، ومع كلّ هذا كان"يسقّطُ"في العش.

حكَتْ الفراخ الثلاثة لأمها، عن طباع أخيها السيّئة، فخاطبته قائلة:

-كن مهذّبًا، واعلم أنّ الإساءة ترتدّ على صاحبها، وإلاّ فسأحرمك من الطعام مدة يوم.

انزعج الفرخ الرابع من كلام أمه، وازدادت طباعه سوءًا.

في اليوم التالي، قالت الأم لفراخها:

-أحبّائي، حرّكوا أجنحتكم داخل العش، لتقوى وتساعدكم على الطيران. حرّك الفراخ الثلاثة أجنحتهم، سخر الرابع من إخوته وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت