الصفحة 57 من 373

جمع الجدّ من حوله أعوادًا يابسة، وأشعلها، ثم وضع ثلاثة أحجار، وركز الإبريق فوقها.

كانت النار ترسم على وجهيهما، وهجًا أحمر كذاك الذي ترسمه الشمس على وجه البحر، لحظة غيابها.

غلى الشاي، نصبّ الجد كأسين، إحداهما ملأى والأخرى نصفها.

نظر معن إلى كأسه، وقال ممتعضًا:

-لماذا صببت لي نصف الكأس، لقد صرت كبيرًا، أما قتلت اليوم جرادتين؟

ضحك الجدّ وقال:

-الشاي ساخن، وأخشى أن يحرق فمك، هيّا ضع ملعقة سكر في كل كأس.

غرَفَ معن السكّر بالملعقة، وبدأ يحرك، بغتة انتبه إلى أمر.

كان صوت الملعقة في أثناء التحريك، مختلفًا بين الكأسين.

نقر بخفّة على حافّة كوبه، فصدر رنين حاد ثم نقر على حافّة كوب جدّه، فصدر رنين غليظ.

نظر إلى جدّه باستغراب قائلًا:

-هل سمعت يا جدّي، الملعقة تصدر موسيقا؟!.

ابتسم الجدّ، حكّ لحيته بأصابعه الخشنة، وقال:

-الموسيقى موجودة حولنا، وما علينا سوى سماعها؟

تلفت معن في كلّ الإتجاهات، سار نحو النهر غمس قدميه بمياهه، تناثر رذاذ ناعم، وعلا صوت خريره.

ركض صوب شجرة صفصاف، فسمع تسبيح أوراقها، وابتهال أغصانها. تطلّع نحو أعواد القصب، المغروسة كالرماح على ضفاف النهر فعلم أن صوت الصفير المبحوح، يخرج من أفواهها، كلما دخلت الريح إليها.

كانت الأصوات، تتداخل في أذنيه الصغيرتين فطرب لها، وتمايل، ثمّ بدأ يغنّي:"ورقات تطفر بالدرب"

والغيمة شقراء الهدب

والريح أناشيد

والنهر تجاعيد

يا غيمة يا""

توقف أحمد عن الغناء، أدهشه منظر القمر على حافة غيمة رمادية، ماسكًا بإحدى يديه عصا صغيرة، يحرّكها بعفوية، كأنّه قائد فرقة موسيقية بينما راحت الطبيعة، تعزف موسيقاها الأزليّة.

نجمة وهلال

أدخل القلم رأسه في غطائه، لينام قليلًا، بعد أن رسم على الورقة البيضاء خطيّن، أحدهما مستقيم، والآخر منحنٍ.

وقبل أن يغمض عينه، سمع دردشة، ما تزال تتعالى، حتى وصلت إلى حدّ الصراخ. أخرج رأسه، فشاهد الخطّ المنحني، يتحرّك كالأفعى ويصيح:

-اخرج أيّها الخط المستقيم من ورقتي فشكلك القاسي يذكّرني بالعصا.

ردّ الخطّ المستقيم:

-أنت مخطئ، فأنا أمثّل العقل والنظام والدقّة ولا أمثّل العنف والقسوة.

-اسكت، وانظر إليّ لتعرف من أنا.

وراح الخط المنحني يتحرّك بليونة، ويشكّل أوراقًا، وأزهارًا، وحيوانات.

ثمّ ضحك وقال:

-هل رأيت حركتي الرشيقة، تفضّل، تحرّك أنت، وكوّن أشكالًا حلوةً كأشكالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت