الصفحة 208 من 373

وبعد جهد جاهد، اقتلع والدي رأسَ الصخرة، وجعل يدفعه بيديه، ويدحرجه نحو طرف الأرض، فبادرْتُ أنا وصديقي إلى مساعدته، وأخذْنا ننقل حطامَ الصخرة..

وحينما فرغنا من العمل، وقف والدي مرفوع الهامة، يرنو إلى أرضه الحبيبة،

مزهوًا بانتصاره العظيم.

كانت عيناه تومضانِ سرورًا، وعرقه يومض فرحًا. لقد تحرّرتِ الأرض، واندحرَتِ الصخور..

امتلأْتُ إعجابًا بوالدي، فقد كان أقوى من الصخر، وبعد ذلك.. حرث والدي الأرض، وحفر فيها حفرًا كثيرة، أودعَ فيها غراسًا صغيرة، وأصبح يعتني بها ويرعاها، فصارتِ الغراسُ تنمو وتترعرع، وبعد بضعة سنين، ازدانت أرضنا بالأشجار، وبدأتْ تجود بالثمار، فأخذْنا نملأ منها السّلالَ الكبيرة، ونبيعها في المدينة، ونشتري بثمنها ما نحتاج ونريد.. لقد وفى والدي بوعده، فاستخرج كنوز الأرض، وطرد الفقر بيديه، و..

تعالى صوت والدي، يدعونا إليه..

أسرعْتُ أنا وصديقي، وجلسنا معه، في ظلٍّ ظليل، نأكل مما قطف لنا، من ثمار حلوة يانعة..

قلت مسرورًا:

-ما أطيبَ ثمارَ العنبِ والتين!

نظر أسامة، إلى كفِّ والدي الخشنة، وقال:

-ما أطيبَ ثمارَ العمل!

قال والدي:

-لولا العمل، لظلّتْ هذه الثمار مدفونة تحت الصخور!

الأميرة والمرآة

كان في قديم الزمان، أميرةٌ شريرة، قبيحةُ المنْظر، خبيثة المَخْبر، تكرهُ الناسَ وتنهرهم، وتسخر منهم وتحقرهم، فكرهها كلُّ مَنْ عرفها، وخافها خدمها وحشمها، بسبب عجرفتها، وسوء خلقها.. وكان لها أعوانٌ وعيون، يخالطون الناسَ متنكّرين، ثم يرجعون إليها، بأخبارهم وأسرارهم، وحينما تسمع ما يتناقلونه عنها، يلتهبُ قلبها حقدًا، ويتطاير غيظها شررًا، فلا يجرؤ أحدٌ، على الاقتراب منها، أو النظر إلى وجهها..

وفي إحدى الأمسيات، كانت جالسة، في شرفة قصرها، ومرآتها في حجرها، فنادَتْ وصيفاتها، فهرعْنَ إليها مذعوراتٍ، ومثلْنَ بين يديها مطرقات، ينتظرْنَ عقابًا أو توبيخًا.

شرعَتِ الأميرةُ المغرورة، ترنو إليهن بازدراء، ثم شمختْ بأنفها، وقالت:

-أصحيحٌ ما يقوله عنّي الناس؟

-ماذا يقولون؟

-يقولون: أنف الأميرة كبير، لكثرةِ ما تشمخ به!

-الأنف الكبير، لا يعيبُ صاحبه.

غضبَتِ الأميرةُ، ورفعَتْ سوطها، تلوِّحُ به مهدِّدةً. وتقول:

-أتوافقْنَ الناسَ، على ما يقولون؟!

رمقَتِ الوصيفاتُ السوطَ. وقلْنَ في نفوسهن:

-حسِّني أخلاقكِ، وليكنْ شكلكِ ما يكون.

قالت الأميرة حانقة:

-ما لكنَّ ساكتات؟!

-أنفكِ صغيرٌ يا سيّدتي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت