الصفحة 207 من 373

وصلْنا إلى آخر الكرم، وقعدْنا في الظلّ، عند الحجارة المرصوفة، نستعيدُ ذكرياتٍ قديمة.. هذه الحجارة المكسورة، كانت -فيما مضى- صخورًا كبيرة، تربضُ على صدر أرضٍ بائرة، فتكتمُ أنفاسها، وتحجبُ كنوزها، فعاشتِ الأرضُ في حزنٍ دائم، وهمٍّ مقيم، لأنها تملكُ الخير، وتعجز عن العطاء!

وعندما اشترى والدي الأرضَ، وشرعَ يعالجُ صخورها، بالمعول والمطرقة والعَتَلَة، و.. سخرَتْ منه الصخورُ الصلبة، وقالت في نفسها: -يا للعجب. رجل ضعيف نحيف، يبتغي قهر الصخور! انهمك والدي في العمل، ودارَتْ رحى الحرب، بينه وبين الصخور.. وكان وحيدًا في المعركة، يقاوم صخورًا كثيرة، تحتلُّ أرضه، وتأبى الرحيل.. ثبتَ والدي في المعركة، وبذلَ العرقَ والدمِ.

الشمسُ تكويه بحرارتها، والصخورُ تجرحه بشظاياها، وهو ماضٍ فيما عزم، لا يضعفُ ولا يتراجع.. انكسرتِ الصخورُ، ولم تنكسرْ عزيمته.

في تلك الأيام، كنتُ أزورُ والدي، كلّما انصرفْتُ من المدرسة، حاملًا إليه طعامًا، لا يأكله إلا الفقراء، وذات مرة، نظرْتُ إلى والدي، وهو يأكلُ الخبزَ الأسمرَ، والبصل، وقلت له محزونًا:

-لماذا نحن فقراء؟!

مدّ والدي يده، ومسح بكفّهِ على رأسي، وقال:

-سأطردُ الفقرَ عنكم يا بني!

-بأيّ شيء ستطرده؟

-بيديّ هاتين

-متى؟

-عندما أُخرجُ كنوزَ الأرض.

قلت بائسًا:

-أرضنا لا تحوي كنوزًا بل صخورًا!

قال والدي باسمًا:

-الكنوز مدفونة تحت الصخور.

في أحد تلك الأيام، صحبْتُ صديقي أسامة، وذهبنا إلى والدي، وحينما اقتربنا منه، سلَّمنا عليه، فرفع رأسه، ورحَّبَ بنا مسرورًا، وقطراتُ العرق، تلمعُ على جبينه، مثل حبّاتِ اللؤلؤ..

لقد كان يعمل في أرضٍ بلا ظلّ!

مسح عرقه بكمّهِ، وألقى المعول من يده، وقال:

-لِنسترحْ قليلًا.. لم يبق سوى هذه الصخرة.

سأله صديقي:

-ماذا ستفعل بها؟

-سأحطّمُ رأسها العنيد، كالصخور الأخرى.

-هل حطمْتَ صخورًا غيرها؟

ضحك والدي، وقال له:

-انظر إلى تخوم الأرض.

نظر أسامة إلى حيث أشار والدي، فشاهد سياجًا كبيرًا، من حجارة مكسورة..

فتح عينيه مدهوشًا، وقال:

-هل كانت هذه الحجارة كلُّها في الأرض؟!

-كانتِ الأرضُ مغروسة بالصخور، ولكنّهُ غرسٌ لا يثمر! ونهض والدي إلى الصخرة، يأتيها من هنا، ويأتيها من هناك، تارة يحفر تحتها بالمعول، وتارة ينهال عليها بالمطرقة، فيتطايرُ الشررُ منها، وتنكسر أطرافها، ويصغر رأسها الكبير، شيئًا فشيئًا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت