ومضى الربيع إلى الحقول المجاورة فشقَّ العشب الترابَ النديَ ثم هز رؤوسه الكثيرةَ الخضراء. مرت النسمات بأصابعها الطرية على شعر العشب الأخضر، ماج الحقل خضرةً وطراوةً، طارت قبرة من بين العشب، وطارت أخرى، وأخرى، وامتلأ جو المرج بالأغنيات الطروب وثغت الأغنام في المراعي القريبة.
حطَّتْ قبرة طروب على جفنة شوك وسألتها بدالَّة الصديقِ على صديقه: هل تسمحين لي أن أبني عشًا قريبًا من جذعك الأملس أيتها الجفنة الشجاعة؟
هزت النسمات فروع جفنة الشوك فهتفت القبرة:
-أشكرك يا صديقتي على كرمكِ ونبلك وحسن ضيافتك..
ثم أطلقت نفير العمل.
حطت عصفورة خضراء الجناحين على غصن مزهر وغردت تغريدًا لا مثيل لعذوبته... هتف الغراب طربًا: ما أعذب صوتك يا أختاه! غردي، غردي، أيتها الجميلة بين الطيور. لقد منحتك الحياة جمال المنظر وعذوبة الصوت، فليكن تغريدك صلاة شكر للحياة على جميل عطاياها.
نشرت العصفورة ريش جناحيها الجميلين تحية للغراب وأطلقت تغريدة عذبة.
نظر الغراب إليها مبتهجًا ثم راح يقفز فوق الأعشاب حبورًا.
في تلك اللحظات الرائعات قذف صبي بارع في الصيد شبكته على العصفورة المغردة فاضطربت المسكينة وانقطعت الأغنية الساحرة.
طار الغراب مذعورًا وراح ينعب باكيًا مصير العصفورة الجميلة.
قالت البومة الحكيمة وهي ترفرف بجناحيها الملونين:
-ما أقبح أن يصير الجمال مصدر عذاب وشقاء لصاحبه!
أَنَّتِ العصفورة الجميلة والدموع في عينيها:
-قدري أن أكون جميلة وأن أتعذب.
لم يفهم الصبي ما قالته الطيور، فوضع العصفورة في قفص وقفِل راجعًا إلى بيته مسرورًا بصيده الثمين.
قبل فوات الأوان
كيف حدث ما حدث؟ إنه الآن جالس قرب فراش أمه العجوز المريضة، والناس يدخلون ويخرجون فلا يعرفه أحد، ولا يعرف أحدًا، أمه وحدها هي التي تنظر إليه بحنان وحب، وهي وحدها التي عرفته وأبدت المزيد من الحرص عليه... وشرع يفكر: ما أعظم الحكمة التي تقول:
"الدنيا أم"!
إن ذهنه مشوش جدًا. يحاول أن يتذكر ما جرى فيخيل إليه أنه كان في حلم مزعج... الواقع الوحيد الذي يحسه الآن بكل كيانه هو أنه جالس قرب أمه المريضة. أما الأيام التي مضت فأمرها مختلف.
يبدو أنها كانت واقعًا لكنها لم تعد كذلك.. هي الآن ذكرى تطلع من ضباب كثيف ثم تتلاشى في ضباب شفيف يتكاثف ويتكاثف إلى أن يصير جدارًا قاتمًا لا يشف عن شيء...