تدخل امرأة مسنة من الجارات وتجلس قرب فراش الأم، تكلمها بحب وود ثم تلتفت إليه، وهو الجالس غريبًا في بيته، وتسأله: كيف حالك يا بني؟ ألم تعرفني؟ لقد غيرتك الأيام كما غيرتنا جميعًا.. أنا جارتكم أم ماجد...
وتوهجت ذاكرته، تلاشى الضباب الكثيف وبزغت شمس أخرى.. أجل.. كان له أصدقاء وكان ماجد منهم، وكانت له مودات وعداوات.. مرت في خاطره ذكرى أيام الطفولة كسحابة ملونة وشفافة.. لقد هربت منه الطفولة، ولا يعرف كيف هربت... يتذكر الآن أنه وجد نفسه شابًا جم النشاط، جم الطموح، كثير الأحلام، وكانت الرياضة البدنية هوايته المفضلة، وكان تحصيل العلم والمعرفة شغله الشاغل.
وصار محط أنظار أهل المدينة.. الناس ينظرون إليه باحترام وتقدير، ويتوسمون فيه الخير...
وكثرت معرفته وظل متواضعًا.. جاب السهول والغابات المحيطة بالمدينة، صعد القمم العالية، وتأمل الصخور الضخمة، وسمع حفيف أوراق الغار والبطم واكتسب فضيلة التواضع والصمت. قرأ تاريخ البشر فتجسد أمام ناظريه ما لاقت البشرية من ويلات وحروب وشرور كثيرة...
كان مكان جلوسه المفضل كهف واسع صعب المرتقى.. لقد صنع سلمًا من الحبال يرقى عليه إلى ذلك الكهف الذي يقع فوق صخرة بيضاء رابضة فوق كتف الوادي الذي تتراكض الجداول نحوه لتشكل نهرًا يتدفق بمزيد من القوة، ملتويًا بين التلال حتى يصل إلى البحر.
راح يجلس هناك ساعات وساعات.. يقرأ ويسجل ما يخطر له من أفكار ورؤى.. صار يؤلمه ما يراه في الناس من عيوب، وكبرت في عينيه شرور العالم بعد أن صار يقارنها بسلام الطبيعة ووداعتها.
وقرر أن يعتزل الناس كي يتاح له البحث عن وسيلة يخلص بها البشر من الشر والفساد، وتساعدهم على إقامة مجتمع إنساني يسوده العدل والمحبة والسلام، مجتمع ينمو فيه ما هو جميل ونافع ويندثر القبح والأذى.
وشرع يعد العدة لتنفيذ قراره. راح يعمل بجد وصبر حتى صار الكهف صالحًا للإقامة صيفًا وشتاءً. جر إليه الماء في ساقية من نبع جبلي، وأعد أماكن للمؤنة والنوم والعمل. أعد رفوفًا للكتب وغيرها من اللوازم ومضى إلى أمه وأطلعها على قراره...
قالت الأم:
-في الإنسان كثير من الشر يا بني.. هذا صحيح، لكن الإنسان ليس شرًا كله. أنت لا ترى سوى الجانب المظلم منه.. إنّ في الناس كثيرًا من الخير والرحمة ولولا الخير الذي فيهم لما بقيت منهم بقية.
قال لها: