الصفحة 197 من 373

وأسرع الخدم إليه... وتكرر المشهد مرارًا... وتكرر الجدال، وخرجت زوجته من القصر ووقفت إلى جانب الخدم محاولة إقناعه بأن ما يقوله مخالف للمنطق فقال لها:

-أعرف أنه مخالف لكل منطق، لكنني رأيته...

حين قالت له: أنت متعب، وعليك أن ترتاح، ضربها وضرب من وصلت يده إليه من الخدم... وكان على زوجته أن تستدعي الأطباء خوفًا عليه... وقرر الأطباء أنه جُن فأخذوه وهو يقاومهم إلى مشفى المجانين. قيدوا قدميه وربطوا يديه وتركوه على أرض غرفة قذرة.

رآه أحد نزلاء المشفى فحمل كوب ماء إليه وسقاه ثم جلس قربه وواساه ثم سأله عن سبب إحضارهم له إلى هذا المكان المخيف فحكى له حكاية الحصان فضحك المجنون حتى كاد ينقلب على قفاه ثم قال له:

-أنا، على جنوني، لا أفعل ما فعلت...

سأله الثري:

-كيف؟

قال المجنون:

-ألم تر ما رأيتَ بعينيك، ألم يقتنع عقلك بما رأيت؟

قال الثريُّ:

-أجل....

قال المجنون:

-أتتحمل هذا الأذى كله في سبيل أن تقنع الآخرين بصواب ما رأيتَ، وهو مخالف لمنطقهم... المعذرة، أنتَ أكثر جنونًا مني..

ابتسم المجنون له برفق وابتعد عنه وظل الثري في مكانه حتى الصباح..

دخل كبير أطباء المشفى غرفة الثريّ وسلم عليه بإشفاق فسأله الثريُّ مستغربًا:

-من جاء بي إلى هنا يا كبير الأطباء، ولماذا؟

ارتبك كبير الأطباء وغمغم:

-أتوا بك إلى هنا... بسبب، بسبب الحصان..

صاح الثري:

-الحصان، ماذا أصاب الحصان؟

قال كبير الأطباء:

-البارحة كنت تؤكد أنه دخل في المزراب؟

قال الثري:

-هل هذا معقول؟ أأنا أقول هذا؟ أنت تمزح أيُّها الطبيب.

صاح كبير الأطباء مبتهجًا:

-الحمد لله على سلامتك، أيّها السيد... هيا أعيدوه إلى البيت على الفور...

وعاد الثري إلى المنزل... وأعدوا له مائدة في الحديقة قرب الحصان والمزراب... وحين ذهب الآخرون نظر إليه الحصان ثم صغر وصغر واختفى في المزراب...

نهض الثري واقترب من المزراب على رؤوس أصابع قدميه ثم همس:

-أخرج، أخرج، لقد رأيتك، وأخاف أن أرفع صوتي فيسمعوني...

الربيع

وأحزان العصفورة الجميلة

جاء الربيع إلى الغابة حافيًا، بعثت أنفاسه الحارة الدفء في الأغصان والجذور فتمطت وشرعت تعمل. حطَّ عصفور ملوّن الجناحين على شجرة الزيزفون وزقزق فاستيقظت الزيزفونة وأزهرت. ملأ العطر فضاء الغابة.. استنشقت الكائنات العطر الزكي وانطلقت في الدروب مبتهجة. زارت الطيور أعشاش الصيف الماضي وبدأت تعمل على ترميمها أو تبني أعشاشًا جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت