الصفحة 196 من 373

تأوه الغراب فصدحت جوقة البلابل بأغنية مدهشة.

ترجّع في الغابة صدى موجع: إنه رجع حنين الغراب العاشق.

هتف الغراب بصوته الغليظ وقد رأى وجهه المنفر في مرآة الغدير:

-إلهي! إلهي! لماذا خلقتني غرابًا؟

أدركت الحمامة الحزينة أنها لن تجد، بعد الهديلِ رفيقها، من يحبها مثل هذا الحب.

وتألمت...

أدهشه أن يوجد في العالم قلب يتسع لهذا الألم كله...

لكن حبها الهديل (1) ظل أقوى.

وما زالت تهدل فتخفق القلوب خاشعة... وما زال الغراب العاشق يذرف الدمع فتتفتح الأزهار، ويتأوه فتشدو البلابل.

وسيبقيان قريبين متباعدين إلى الأبد...

هو لا يقوى على سلوانها... وهي لا تقوى على حبه.

الحصان المسحور

(حكاية قديمة)

يحكى أنه عاش في إحدى مدن الشرق رجل ثريٌّ مولع بالخيولِ ولعًا لا حدود له... كان الناس يعرضون عليه خيولهم فإذا أعجبه حصان اشتراه وألحقه بما عنده... وذات يوم جاءه من أخبره بوجود حصان لا مثيل لجماله في إحدى القرى النائية. ذهب الغني وأحد خدمه إلى تلك القرية... أدهشه جمال الحصان فاشتراه وعاد به.

رُبط الحصان في حديقة المنزل إلى شجرة باسقة...

جلس الثري إلى مائدة أُعدت له قربه وراح يتأمله...

حين لم يبق أحد من الخدم حوله رأى الحصان يصغر ويصغر ثم رآه يدخل في مزراب صغير تنسكب منه المياه في بركة صافية... كاد صوابه يطير فصاح بأعلى صوته:

-الحصان، الحصان!

أسرع الخدم إليه وسأله أحدهم:

-ماذا جرى للحصان يا سيدي؟

قال الغني:

-لقد صغر وصغر ثم دخل في المزراب هناك...

قال الخادم وهو يشير إلى الحصان:

-المعذرة يا سيدي، الحصان موجود حيث ربطناه.

صاح الثريُّ:

-لقد رأيته بعينيَّ!

قال الخادم:

-وها أنت ذا تراه بعينيك في مكانه... يبدو أنك متعب يا سيدي...

صاح الثريُّ:

-لستُ متعبًا، وقد رأيته وأنا بكامل قواي، هيا انصرفوا...

ذهب الخدم إلى أعمالهم وجلس الثري إلى المائدة ونظر إلى الحصان... كانت عينا الحصان واسعتين وجميلتين... ثم ها هو ذا يصغر ويصغر ويدخل في المزراب... دلك الغني عينيه ورش بعض الماء على وجهه... وحين لم يتغير شيء حوله صاح بصوت غريب:

-الحصان، الحصان!

(1) تقول الأسطورة إن الهديل هو زوج الحمامة الجدة... وقد ذهب يومًا ليجلب لها ما تأكله وهي تحضن البيض فقتله صياد وظلت الحمامة تناديه طوال حياتها... وقد ورث النداء أبناؤها وبناتها وصار صوت الحمام يُسمّى الهديل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت